بقلم الكاتب و الاديب الاريب المبدع .. 


 

أ.د. لطفي منصور
محمد الماغوط وقصيدةُ "شتاء":

شاعرٌ كاتبٌ روائِيٌّ مَسرَحِيٌّ سوريٌّ: وُلِدَ في قريةِ "سلميّة" قريبةٍ من مدينةِ حماه. وقضى عمرًا طويلًا في بيروتَ، وكانَ مقرَّبًا لِأدونيس (علي أحمد سعيد) وهو سوريٌّ أيضًا.
كانَ الماغوطُ ثائرًا على الظُّلْمِ والفسادِ والنظُمِ الاستبداديّةِ في وطنِه وغيرِهِ، وهو من أركانِ خالِقِي القصيدةِ الجديدةِ، قصيدةِ النّثر، وشعرُهُ في خدمةِ مبادئِهِ السياسيّةِ والوطنيّةِ، فذاقَ مرارَةَ السِّجْنِ وضَنَكَ العيشِِ مختبِئًا في غرفةٍ زُرِعَتْ في خاصِرَةِ "عَمارَةٍ" في دمشق، متوارِيًا عن أعيُنِ العَسَسِ السوريِّ الذي كانَ يُنَقِّبُ عن الشُّعّراءِ والكتّابِ إلى أنِ استطاعَ الْفِرارَ إلى بيروت.

عادَ إلى الْوَطَنِ في كِبَرِهِ ومرضِه، وتوفّيَ في دمشقَ سنةَ ٢٠٠٦م.
تركَ الماغوطُ كنزًا وفيرًا من كتبِ الأدبِ بشتى فنونِه، منْ أشهرِها: الأعمالُ الكاملة، وتشملُ عدّةُ كتبٍ: العصفورُ الأحدَبُ، حزنٌ في ضوءِ القمرِ، غرفةٌ بملايينِ الجدرانِ، الفرحُ ليسَ مِهْنَتِي، والمهرّجُ. وله كتابُ "سَأخون وطني" ولي في هذا الكتابِ الذي عَلَّمْتُ مِنْهُ نصوصًا كثيرةً في الكليّاتِ وجامعةِ تل أبيب قصّةٌسأتحدّثُ عنها فيما بعدُ.

في قصيدةِ الشِّتاءِ يتحدّثُ الشّاعِرُ عنِ الْفَقْرِ الْمُدْقِعِ الَّذي كانَ ينتابُ الطَّبَقاتِ الْفَقِيرَةَ في الرِّيفِ السوريِّ مستخدِمًا الرَّمزَ غطاءً خوفًا من أن يوقِعَهُ قلمُه في غياهبِ السُّجُونِ، ولَنا في القصيدةِ جَوْلَةٌ سنحاولُ جهدَنا أن نقِفَ عندَها.
يقول الماغوطُ:

شِعْرٌ:
كالذِّئابِ في الْمَواسِمِ الْقاحِلَةِ

كُنَّا نَنْبُتُ في كُلِّ مكان
نُحِبُّ الْمَطَر

ونعبُدُ الْخَرِيف
—————

كُلُّنا نُشاهِدُ على الشّاشَةِ الصغيرَةِ أو في الأفلامِ، قِطعانَ الذِّئابِ الجائعَةِ وهي تهجِمُ على كلّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أن يُؤكلَ، وقدْ نَحَلَها الهُزالُ ، وَاغْبَرَّ شَعرُها، وكَشَفَتْ عن أنيابٍ حادَّةٍ، وانتشَرَتْ في كلّ مكانٍ تفتِّشُ عن فريسَتِها ، هكذا أطفالُ سوريّا في موسمِ الْجَدْبِ، واحتباسِ الأمطارِ ينتشرونَ في بقاعِ الأَرْضِ ليسدُّوا رَمَقَهم بِشَيْءٍ يَجِدُونَهُ.
إنّ هذا التشبيهَ التمثيليَّ مع صُوَرِهِ المنتزعَةِ من صفاتٍ متعدِّدَة يُطلِقُ خيالَ الْمتلقِّي ليتصوِّرَ كيفَ هيَ الْحَياةُ في وَطَنِ الْماغُوطِ.

وفجأةً هطلَ الْغَيْثُ. وَكَمْ كانتِ الفرحةُ عِنْدَما تجدَّدَتْ مَعَ حُلُولِ شهرِ نوفمبر الَّذي سَقَى النّاسَ. فهوَ جديرٌ باِالْعِبادَةِ.
———-

شعر:
حتّى فكرْنا ذاتَ يَوْمٍ

أنْ نبعثَ رسالَةَ شُكْرٍ إلى السَّمَاءِ
وَنُلْصِقُ عَلَيْهَا

بَدَلَ الطابَعِ .. ورقَةَ خَرِيفٍ
———-

ه
هُنا رَمْزٌ وتَخَيُّلٌ: السَّماءُ تُمَثِّلُ الحاكِمَ، وَوَرَقَةُ الْخَريفِ كِنايَةً عنِ الْقَحْطِ وَانْعِدامِ الْمِياهِ، حتّى لو سقطَ المطرُ فيهِ، فهوَ تَوْرِيَةٌ يَخْتَفي وراءَها الْكاتِبُ.

السَّماءُ لا يُرسَلُ لها رسائلُ وطوابعُ ، وَهُنا يَبْرُزُ ما يُسَمَّى في النَّقْدِ الْأَدَبِيِّ "المحرِّك"، وَهُوَ الْفَقْرُ قاهرُ الشُّعُوبِ، وَعَدَمُ اهْتِمامِ السُّلْطانِ بالرَّعِيَّةِ.
إنّ الشعوبَ خالدَةٌ بالرّغمِ من الأسَى، هذا الفقرُ الَّذي اجتاحَ كلَّ النَّاسِ،ِ سَرعانَ ما انقلبَ إلى حُبِّ الحياةِ والتشبُّثِ بها بِإصْرارٍ لأنَّ البأْساءَ سوفَ تَنْتَهِي. عندئذٍ سيفتحُ كلُّ واحدٍ ذراعَيْهِ لِاسْتِقْبالِ الحرِّيَةِ وإرجاعِ الكرامةِ الْمهدورَةِ، وهذا الأَمَلُ هوَالَّذِي سَعَى إليهِ الماغوطُ وَحْدَهُ لتخليصِ شَعْبِهِ وَلَيْسَ له سلاحٌ إِلَّا الشِّعْرُ والكلمةُ، كما تعبِّرُ عنه الأبياتُ القادِمَةُ.

———
شعر:

كنّا نُؤمنُ بِأنّ الجبالَ زائلة
والبحارَ زائلة

والحضاراتِ زائلة
أمّا الحبُّ فباقٍ

—————
الجبالُ والبحارُ والحضاراتُ رموزُ للطُّغاةِ والطُّغْيانُ. كُلُّنا زائلةٌ. أَمّا الحُبِّ والحياةُ فخالدانِ.

———-
شِعْرٌ:

وفجْأةً افترقْنا
هي تُحِبُّ الأرائِكَ الطَّوِيلَةَ

وأنا أحبُّ السُّفُنَ الطَّوِيلَةَ
هِيَ تعشقُ الهمسَ والتنهُّداتِ في المقاهي

وَأَنَا أعشقُ الفقرَ والصُّراخَ في الشَّوارِعِ
———

الأرائِكُ كنايةٌ عنِ الرَّفاهِيَةِ،, وكذلكَ الْمَقاهي والكبريهاتُ كلُّها حياةُ الحُكّامِ. أمّا الشَّعْبُ الَّذي يُمَثِّلُهُ الشّاعِرُ فَيُرِيدُ السُّفُنَ رمزَ القوّةِ للوطنِ.
في وقتٍ يتسكّعُ فيه أولادُ الفقراءُ في الشَّوارِعِ، ولا عملَ لهم إِلَّا الصّراخُ والضَّجِيجُ الخائبُ.

———-
شِعْرٌ:

ومعَ ذَلِكَ
فَذِراعايَ على امْتِدادِ الْكّوْنِ

بِانْتِظارِها
————-

انْتِظارُ الْحُرِّيَّةِ، انُتِظارُ الْحّياةِ الشَّرِيفَةِ.
وَماتَ الْماغُوطُ وَشَبِعَ مَوْتًا وَالشَّعْبُ يَنْتَظِرُ الْحُرِّيَّةَ.

تَمّت القصيدة وتمّ تحليلُنا لها
Lotfy Mansour


Meilleur contributeur
 

 

أ.د. لطفي منصور

محمد الماغوط وقصيدةُ "شتاء":
شاعرٌ كاتبٌ روائِيٌّ مَسرَحِيٌّ سوريٌّ: وُلِدَ في قريةِ "سلميّة" قريبةٍ من مدينةِ حماه. وقضى عمرًا طويلًا في بيروتَ، وكانَ مقرَّبًا لِأدونيس (علي أحمد سعيد) وهو سوريٌّ أيضًا.

كانَ الماغوطُ ثائرًا على الظُّلْمِ والفسادِ والنظُمِ الاستبداديّةِ في وطنِه وغيرِهِ، وهو من أركانِ خالِقِي القصيدةِ الجديدةِ، قصيدةِ النّثر، وشعرُهُ في خدمةِ مبادئِهِ السياسيّةِ والوطنيّةِ، فذاقَ مرارَةَ السِّجْنِ وضَنَكَ العيشِِ مختبِئًا في غرفةٍ زُرِعَتْ في خاصِرَةِ "عَمارَةٍ" في دمشق، متوارِيًا عن أعيُنِ العَسَسِ السوريِّ الذي كانَ يُنَقِّبُ عن الشُّعّراءِ والكتّابِ إلى أنِ استطاعَ الْفِرارَ إلى بيروت.
عادَ إلى الْوَطَنِ في كِبَرِهِ ومرضِه، وتوفّيَ في دمشقَ سنةَ ٢٠٠٦م.

تركَ الماغوطُ كنزًا وفيرًا من كتبِ الأدبِ بشتى فنونِه، منْ أشهرِها: الأعمالُ الكاملة، وتشملُ عدّةُ كتبٍ: العصفورُ الأحدَبُ، حزنٌ في ضوءِ القمرِ، غرفةٌ بملايينِ الجدرانِ، الفرحُ ليسَ مِهْنَتِي، والمهرّجُ. وله كتابُ "سَأخون وطني" ولي في هذا الكتابِ الذي عَلَّمْتُ مِنْهُ نصوصًا كثيرةً في الكليّاتِ وجامعةِ تل أبيب قصّةٌسأتحدّثُ عنها فيما بعدُ.
في قصيدةِ الشِّتاءِ يتحدّثُ الشّاعِرُ عنِ الْفَقْرِ الْمُدْقِعِ الَّذي كانَ ينتابُ الطَّبَقاتِ الْفَقِيرَةَ في الرِّيفِ السوريِّ مستخدِمًا الرَّمزَ غطاءً خوفًا من أن يوقِعَهُ قلمُه في غياهبِ السُّجُونِ، ولَنا في القصيدةِ جَوْلَةٌ سنحاولُ جهدَنا أن نقِفَ عندَها.

يقول الماغوطُ:
شِعْرٌ:

كالذِّئابِ في الْمَواسِمِ الْقاحِلَةِ
كُنَّا نَنْبُتُ في كُلِّ مكان

نُحِبُّ الْمَطَر
ونعبُدُ الْخَرِيف

—————
كُلُّنا نُشاهِدُ على الشّاشَةِ الصغيرَةِ أو في الأفلامِ، قِطعانَ الذِّئابِ الجائعَةِ وهي تهجِمُ على كلّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أن يُؤكلَ، وقدْ نَحَلَها الهُزالُ ، وَاغْبَرَّ شَعرُها، وكَشَفَتْ عن أنيابٍ حادَّةٍ، وانتشَرَتْ في كلّ مكانٍ تفتِّشُ عن فريسَتِها ، هكذا أطفالُ سوريّا في موسمِ الْجَدْبِ، واحتباسِ الأمطارِ ينتشرونَ في بقاعِ الأَرْضِ ليسدُّوا رَمَقَهم بِشَيْءٍ يَجِدُونَهُ.

إنّ هذا التشبيهَ التمثيليَّ مع صُوَرِهِ المنتزعَةِ من صفاتٍ متعدِّدَة يُطلِقُ خيالَ الْمتلقِّي ليتصوِّرَ كيفَ هيَ الْحَياةُ في وَطَنِ الْماغُوطِ.
وفجأةً هطلَ الْغَيْثُ. وَكَمْ كانتِ الفرحةُ عِنْدَما تجدَّدَتْ مَعَ حُلُولِ شهرِ نوفمبر الَّذي سَقَى النّاسَ. فهوَ جديرٌ باِالْعِبادَةِ.

———-
شعر:

حتّى فكرْنا ذاتَ يَوْمٍ
أنْ نبعثَ رسالَةَ شُكْرٍ إلى السَّمَاءِ

وَنُلْصِقُ عَلَيْهَا
بَدَلَ الطابَعِ .. ورقَةَ خَرِيفٍ

———-
ه

هُنا رَمْزٌ وتَخَيُّلٌ: السَّماءُ تُمَثِّلُ الحاكِمَ، وَوَرَقَةُ الْخَريفِ كِنايَةً عنِ الْقَحْطِ وَانْعِدامِ الْمِياهِ، حتّى لو سقطَ المطرُ فيهِ، فهوَ تَوْرِيَةٌ يَخْتَفي وراءَها الْكاتِبُ.
السَّماءُ لا يُرسَلُ لها رسائلُ وطوابعُ ، وَهُنا يَبْرُزُ ما يُسَمَّى في النَّقْدِ الْأَدَبِيِّ "المحرِّك"، وَهُوَ الْفَقْرُ قاهرُ الشُّعُوبِ، وَعَدَمُ اهْتِمامِ السُّلْطانِ بالرَّعِيَّةِ.

إنّ الشعوبَ خالدَةٌ بالرّغمِ من الأسَى، هذا الفقرُ الَّذي اجتاحَ كلَّ النَّاسِ،ِ سَرعانَ ما انقلبَ إلى حُبِّ الحياةِ والتشبُّثِ بها بِإصْرارٍ لأنَّ البأْساءَ سوفَ تَنْتَهِي. عندئذٍ سيفتحُ كلُّ واحدٍ ذراعَيْهِ لِاسْتِقْبالِ الحرِّيَةِ وإرجاعِ الكرامةِ الْمهدورَةِ، وهذا الأَمَلُ هوَالَّذِي سَعَى إليهِ الماغوطُ وَحْدَهُ لتخليصِ شَعْبِهِ وَلَيْسَ له سلاحٌ إِلَّا الشِّعْرُ والكلمةُ، كما تعبِّرُ عنه الأبياتُ القادِمَةُ.
———

شعر:
كنّا نُؤمنُ بِأنّ الجبالَ زائلة

والبحارَ زائلة
والحضاراتِ زائلة

أمّا الحبُّ فباقٍ
—————

الجبالُ والبحارُ والحضاراتُ رموزُ للطُّغاةِ والطُّغْيانُ. كُلُّنا زائلةٌ. أَمّا الحُبِّ والحياةُ فخالدانِ.
———-

شِعْرٌ:
وفجْأةً افترقْنا

هي تُحِبُّ الأرائِكَ الطَّوِيلَةَ
وأنا أحبُّ السُّفُنَ الطَّوِيلَةَ

هِيَ تعشقُ الهمسَ والتنهُّداتِ في المقاهي
وَأَنَا أعشقُ الفقرَ والصُّراخَ في الشَّوارِعِ

———
الأرائِكُ كنايةٌ عنِ الرَّفاهِيَةِ،, وكذلكَ الْمَقاهي والكبريهاتُ كلُّها حياةُ الحُكّامِ. أمّا الشَّعْبُ الَّذي يُمَثِّلُهُ الشّاعِرُ فَيُرِيدُ السُّفُنَ رمزَ القوّةِ للوطنِ.

في وقتٍ يتسكّعُ فيه أولادُ الفقراءُ في الشَّوارِعِ، ولا عملَ لهم إِلَّا الصّراخُ والضَّجِيجُ الخائبُ.
———-

شِعْرٌ:
ومعَ ذَلِكَ

فَذِراعايَ على امْتِدادِ الْكّوْنِ
بِانْتِظارِها

————-
انْتِظارُ الْحُرِّيَّةِ، انُتِظارُ الْحّياةِ الشَّرِيفَةِ.

وَماتَ الْماغُوطُ وَشَبِعَ مَوْتًا وَالشَّعْبُ يَنْتَظِرُ الْحُرِّيَّةَ.
تَمّت القصيدة وتمّ تحليلُنا لها



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة