مقال بقلم الاديب الاريب و الشاعر المبدع ..* صديقتي الشاعرة التي لا يعرف قصائدها أحد (1)...................................................................لم تكن قريبتي الأستاذة هادية شخصية عادية. منذ أن عرفتُها وهي شاعرةٌ وكاتبة خواطر متميزة. شخصيتُها الساحرة تأسرك بصدقها وشفافيتها التي لا حدود لها. ولذلك، هي قد كانت بالنسبة لي محجَّاً جميلاً أقصدهُ بما أنتجه مِن أدب، وأنا اعتبر إجازتها لما يخطه قلمي جواز مرور أحلق به عالياً.عندما كنتُ في إجازتي الصيفية بمسقط رأسي بالولاية الشمالية، وأنا فقط بعمر الثلاثة عشر عاماً؛ شغف كتابة القصة القصيرة كان هو حياتي كلها. فكنتُ إذا فرغتُ مِن تأليفِ قصةٍ جديدة وسطرتُها في دفتري، أمتطي ظهر حمارة جدي وأنطلق في شمس الشمال الحارقة من (حلة تحت) إلى (حلة فوق) قاصداً بيت قارئتي الوحيدة، قريبتي الشاعرة وكاتبة الخواطر الأستاذة هادية. كنتُ أبقى على ظهرِ حمارتي وأطرقُ نافذةَ المطبخ في بيتِ أسرتِها الكبير، المطلة على الشارع، فتفتحُ لي النافذة وعلى وجهها ابتسامتها الدائمة، ومن ثغرها تنطلق ضحكتها المُبهجة. كنتُ أناولها الدفتر وأنطلقُ عائداً إلى (حلة تحت) وأنا أؤمن أنَّ أدبي موجود حيث يجب أن يكون. وإذا حلَّ المساء أو أتى صبح اليوم التالي، أتركُ لقدميَّ أن تحملانني إلى حضرتها الوارفة، فكانت كلماتُها هي سرٌّ مِن الأسرار التي أبقت جذوة السرد مُتقٍدةً في داخلي لمسيرةِ عمرٍ كامل.كانت للأستاذة هادية دفاترها، وكانت لها صديقة خيالية اسمها (رُبَا)، وكانت تكتب خواطرها مُخاطِبةً هذه الصديقة، فتأتي بأعذب اللغة وأرقّ المعاني، كانت كتابتها في الخواطر تمس شغاف القلب فعلاً.أما في الشعر، فقد كانت لها لَونِيَّتها التي تشبه رِقَّتها هي وحساسيتها هي فحسب، وقد كنتُ من المحظوظين القلائل الذين نالوا شرف الاستماع إليها وهي تُلقي قصائدها.في سنواتٍ لاحقة، جاءت هادية إلى بيتنا الكبير في مدينة ود مدني طالبة ضمن طالبات امتحان الشهادة السودانية. لم تكن تحمل حقيبة ملابسها فقط، كانت تحمل (رُبَا) معها، وكذلك شِعرها الجميل العذب. الشهور التي قضتها معنا في مدني كانت شهور تَفَوُّق أكاديمي، وأيضاً شهور إنتاج أدبي راقي. انتهت الشهور، وعادت هادية إلى الشمال، ولكنها تركت أوراق متفرقة مِن أشعارها في بيتنا.قبل أسبوعين تقريباً، كنتُ قد رفعتُ في حسابي على الفيس بوك مقال بعنوان (صديقي الشاعر الذي لا يعرف قصائده أحد) استعنتُ فيه بذاكرة شقيقتي الإعلامية الأستاذة رحاب أحمد علي، ولعل ذلك المقال هو ما جعلني أفكر كثيراً في المواهب المندثرة والأدب الضائع في صندوق النسيان الكبير في بلادنا. وفي غمرة هذا التفكير العميق، لَمَعَ اسم قريبتي الأستاذة هادية كالبرق الخاطف في ذهني. تُرى هل ضاع أدب هادية أيضاً كما ضاع أدب صديقي بدر الدين؟دخلتني حالةٌ من الألم والكآبة وأنا أرى نفسي شاهداً يقفُ مكتوفَ اليدين أمام فجيعة الخسارات الأدبية الكبيرة المتلاحقة، فحملتُ هذا الألم وهذه الكآبة إلى بيتِ شقيقتي الفاضلة الدكتورة أميرة أحمد علي، وقلتُ لها: (ضاع أدب هادية كما ضاع أدب بدر الدين)، ولكنها كان لها رأيٌ آخر، قالت: (ربما لم يَضٍعْ أدب هادية كله، لعلي أنقذتُ شيئاً منه، عندي دفاتر قديمة تخصني، أظُنُّنِي دونتُ في دفترٍ منها جانباً من قصائد هادية، فقط عليك الانتظار حتى أبحثَ بتمهُّل في أوراقي إلى أن أعثر على ذلك الدفتر المنشود). كانت بارقة أمل كبيرة، ولكن شقيقتي دخلت بعد ذلك في دوامة مِن المرض شغلتها عن البحث في أوراقِها حتى كان الأمس.بالأمس زرتُها وتجاذبنا أحاديث تتعلق بموعد بداية العام الدراسي وموعد فتح الجامعات لأبوابها رغم الحرب التي تستعر نيرانها في البلاد. بعد ذلك، غابت عنِّي شقيقتي لدقائق، وعادت وهي تضع أمامي الدفتر الثمين النادر المنشود. قَلَّبتُ أوراقَ الدفتر معها بلهفةٍ شديدة، فوجدنا فيه ثمان قصائد كاملة لهادية. أعلنَّا معاً الفرح، وبدأتُ فوراً الشروع في كتابة مقالي الجديد: (صديقتي الشاعرة التي لا يعرف قصائدها أحد)، والذي سيكون على جزأين أو ثلاثة أجزاء، حتى أقدم كل القصائد المُنقذة للعالم.القصيدة الأولى:-...................وأسألُ كيف أنشُدكَواهواكَ بلا ضجروأقسمُ سوف أنساكَوأحزمُ كل أمتعتيفلا أقوى على السفرِصفا عينيكَ يًأسِرُنيأعودُ إليكً لا أدريوتهمسُ لي..كهمسِ الطَلِّ للزهرِأحبكَ مِلءَ وجدانيبِكُلِّ العُمرِ يا عُمريويُشرقُ فوق أوديتِيضياءُ مَوَاسِمِ الفَجرِويكسو البَيْدرَ الذاويربيعُ الحلمِ والمطرِالقصيدة الثانية:-....................وفي يومٍ..غمامُ مسائِهِ ممطرحلمتُ بِفَجرِكَ الأنضرعناق الزهرِ والأفنانِفي البيدردفء الروحِعمق الحبِّكاسات من الكوثروأطفال سماويينفوق السُندسِ الأخضروفي وجلٍ ...خطوتُ على بِسَاطِ الوردِيُسكرُنِيعبيرٌ مِن ...شذى الياسمينِ والعنبروعند العرشِ عند المعبد الأزهرأضأتُ شموع تعبيريكتبتُ لفارسي الأسمرفأغشانيضياءٌ مِن ضياءِ الخالق الأكبرصحوتُ ...وقالتِ الأطيارُإن الصبحَ قد أسفروَوَلَّى حلمُ أمسيتيفلا زهرٌولا بيدرإذن، هكذا نفقدُ الأدبً الجميلَ في بلادنا. عذراً هادية، كما تأخرتُ في العثور على أدب بدر الدين، تأخرتُ أيضاً في العثور على أدبكِ الباهي الزاهي الراقي الشفيف، ولكنه الآن جاء، وفاح، وعطَّر الآفاق، وهذا نصرٌ جديدٌ للكلمة، وإثراءٌ مُهِمٌّ للأدب، مرحباً به في قلوبنا.د. فائز أحمد عليالسودان/ ود مدني# نلتقي في الجزء الثاني قريباً
بقلم الشاعر المبدع .. عماد احمد تشرين / نوفمبر ا14/11/2025م .....حديثُ الشوق........ مَهِيْضٌ ما يطاوعُهُ الجَناحُ وتَدنُو من ذؤابتِهِ الصِفاحُ يكادُ يصيحُ..ينكُصُ مُسْتَرِيبًا ويدرِي ليسَ يُنجِدُهُ الصياحُ وما يجْدِي الغريب إذا اشْرَأَبَّتْ لهُ مِن كلِّ زاوِيَةٍ.......رماحُ قَصِيٌّ.....والدروبُ بناتُ ليلٍ ومِن لغَبِ السُرَى كُبِحَ الجِماحُ هنالِكَ يُسْتَهَلُّ الدمعُ شَجْوًا فما لكَ غيرُ سَطْوَتِهِ...سلاحُ هنالكَ تسْتَجيرُ..بكلِّ طَيْفٍ لِأَهْلٍ...دونهَمْ أَرضٌ بَراحُ أَلَا مَنْ مُبْلِغُ السَرَواتِ إِنِّي على جَلَدِي يُغالبُنِي النَواحُ أُناجِيكُم...فَيُتْرَعُني حنِينٌ وأَصْمتُ والجوارحُ تُسْتَباحُ هناكَ تركْتُ قلبِي والحَكايا وحنَّاءً....تُخَضِّبُها المِلاحُ أَتوقُ لكلِّ ساقِيَةٍ بأَرضي يُرَوِّي ظامِئًا منها القَراحُ فلو أَقْوَى لَجبْتُ الأرضَ نهْبًا إلى حيثُ الهواجس تَسْتَراحُ إِلى وطَنٍ تُسَرِّدُهُ الشَظايا لِتَفْغَرَ فاهَها أبَدًا...جراحُ جذوري وانْتِمائِي فيهِ...إِرْثٌ فما تجْتَثُّ من أَصلِي الري...
تعليقات
إرسال تعليق