التخطي إلى المحتوى الرئيسي

 


أولا- من قضايا النقد العربي القديم

 سبقت الإشارة إلى أن جل قضايا النقد العربي القديم، ومفهوماته إنما نضجت في العصر العباسي، ونشط البحث فيها في مدته، التي قُدّر لها أن تكون أطول من العصور السابقة. لذلك أتيح لها أن تبرز بوصفها قضايا واضحة في هذا العصر، متخذة طابع الثنائيات الضدية غالبا، وكان ذلك ترجمة للازدواجية والتقابلية والتغالب والتحولات، التي ميزت العصر في مظهره الثقافي والحضاري والاثني: بين بادية وحاضرة، وقديم ومحدث، وعرب وعجم ....إلخ، ومن تلك القضايا:

1. اللفظ والمعنى

قضية اللفظ والمعنى أشهر قضايا النقد العربي القديم، ومن أقدمها وأكثرها التصاقا بطبيعة العمل الشعري والفني عموما، ففي كل عمل فني شكل ومضمون، وظاهر وباطن، أو معنى وصياغة. ومن ههنا فليس مستغربا ظهور هذه القضية في النقد الأدبي عند العرب وغيرهم، فهذه القضية ليست بدعا في نقدنا القديم.

على أن القضية ليست من البساطة والتسطيح، بما قد يوحي به ارتباطها بطبيعة العمل الفني القائم على شكل ومضمون، ذلك أن لها من العمق ما توحي به أسباب ظهورها، التي بلغت من التعقد والعمق والتنوع مبلغا بعيدا، وأظهرها ثلاثة أسباب أساسية حسب بعض الدارسين، ترجع إلى حقول وعلوم مختلفة وهي:

1. الصراع بين العرب والشعوبيين، فقد كان من الجبهات التي فتحها الشعوبيون في عداوتهم للعرب الجبهة الثقافية، ولما كان جل افتخار العرب بالتفوق في الفصاحة والبلاغة، وكان أكثر حججهم على غيرهم قائما على ذلك، وجّه الشعوبيون سهام طعنهم على العرب إلى هذه الجهة، زاعمين أن ثقافة العرب ثقافة ألفاظ، وأنها عاجزة عن مضاهاة ثقافة العجم في دقائق الأفكار، ولطائف المعاني.

2. ظهور مشكل "خلق القرآن "، الذي قالت به بعض الفرق الإسلامية، والذي يمكن النظر إليه بصيغة استفهامية تتمثل في السؤال : أبلفظه أُنزل القرآن الكريم، أم بمعناه" ؟.

3. تأثر النقاد والبلاغيين العرب القدماء بالآداب والثقافات والفلسفات التي عرفت هذه القضية، لاسيما الثقافة اليونانية، فقد عرفت الأمم الأخرى هذه القضية، وعالجتها في آدابها ونقدها، وما من شك في أن هذا السبب هو الأنسب للقضية بما أنه سبب فني خالص.

موقف النقاد والبلاغيين من هذه القضية

نظريا يُتوقع أن ينقسم النقاد إزاء قضية اللفظ والمعنى قسمة ثلاثية، تبعا للحسبة العقلية، والقسمة المنطقية والجدلية : طائفة تناصر اللفظ، وأخرى تناصر المعنى، وطائفة أخرى تجمع بين الطرفين.

 وبصرف النظر عن الاختلاف الذي اتضح بين الدارسين في تصنيف النقاد القدماء في هذه الفئة أو تلك، بسبب غموض بعض النصوص، التي تصعّب البتّ في شأن ناقد أو بلاغي، ووضعه في الخانة المناسبة له، فإن أهم ما يمكن الإشارة إليه في هذه المسألة الخطأ التاريخي في جعل الجاحظ (ت.255 ه) من أنصار اللفظ. وذلك استنادا إلى مقولته المشهورة في "المعاني المطروحة في الطريق"، التي وردت في (كتاب الحيوان)، فقد جاء فيه قوله:"... والمعاني مطروحةٌ في الطريق يعرفها العجميُّ والعربيُّ، والبدويُّ والقرَوي، والمدنيّ، وإنَّما الشأنُ في إقامةِ الوزن، وتخيُّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحَّة الطبع وجَودَة السَّبك، فإنما الشعر صناعةٌ، وضَرْب من النَّسج، وجنسٌ من التَّصوير"[1].

غير أنه ثبت الآن أن الاعتماد على هذا النص، في جعل صاحبه من أنصار اللفظ ضعيف، ناجم عن سوء فهم ما يريده الجاحظ بالمعاني، التي جعلها مطروحة في الطريق.

 فبالاستناد إلى مجمل آراء الجاحظ في هذا الكتاب، وغيره من المؤلفات الأخرى، يتبين أن مقصوده بتلك المعاني إنما هي المعاني الأولية، أو المعاني الجزئية المعجمية، التي لم تنصرف إليها إرادة الأديب، لتسلكها في صورة فنية وتخرجها من درجة الصفر إلى درجات عليا في العبارة الفنية، وهذا ما يوضحه الدكتور حسن طبل، في قراءة قيمة للنص السابق، يقول :"حين ألقى الجاحظ تلك العبارات لم يكن يهدف – فيما نرى – إلى المفاضلة بين المعنى واللفظ، بل بين مستويين من المعنى في شكلين متمايزين من أشكال التعبير، فمصطلح المعنى في هذا الفصل لا يعني به الجاحظ سوى الفكرة المجردة المبتذلة أو- على حد تعبيره – المطروحة في الطريق، وهي تلك التي يتمخض عنها التعبير التقريري الذي تُستخدم فيه الألفاظ استخداما إشاريا غايته النقل أو التوصيل المجرد للمعنى، أما مصطلح اللفظ الذي يُشيد به الجاحظ جاعلا الشأن فيه والشعر به فليس المقصود به اللفظ مجردا عن المعنى، بل هو ذلك التعبير الفني الذي يتخير الشاعر ألفاظه ويجيد سبكها، فتتفاعل دلالاتها مجسدة مستوى فنيا من المعنى لا يتسم بالتجرد والابتذال بل بالتصويرية والتفرد."[2].

ومعنى ذلك أن الجاحظ يضعنا إزاء درجتين من المعاني، يُعَبَّر عنهما بدرجتين من الألفاظ أيضا: معان أولية معجمية إشارية، تتضمها عبارات بسيطة خالية من مسحة الفن، ومعان أخرى راقية، تتضمنها عبارات مصوغة صياغة فنية، "...وعلى هذا فإن تهوين الجاحظ من شأن المعاني المطروحة في الطريق هو في الوقت نفسه تهوين من شأن العبارات الحرفية، وإخراج لها من حيّز الشعر، كذلك فإن إعلاءه من شأن الألفاظ المتخيرة هو بالتالي إعلاء وتقدير لقيمة المعاني والإيحاءات الخاصة التي تشعها بحسن صوغها وإيداع سبكها وتشكيلها"[3].

وحَريٌّ بهذا رجل كالجاحظ، تميز بعمق التفكير وموسوعيته، وثقافته الغزيرة، وكثرة استطراداته، تميزا يجعل الجزم بالحكم على قناعاته وأفكاره، من قراءة نص واحد، مجازفة فكرية وتعجلا غير محمود العواقب، ويفرض تتبع قراءة نصوصه في نسقية مطردة، ويستوجب الصبر والأناة، في محاولة ربط أجزاء ما تناثر من أفكار في مختلف آثاره، والتي قد تظهر نظرات متناقضة بادي الرأي، "... ولكن بالتأمل وإنعام النظر في تلك الأقوال لا نجد تناقضا، ونجده يرجع المزية إلى شيء آخر يجمع بين اللفظ والمعنى"[4].

إنه لمن الصعب الاقتناع بأن رجلا عقلانيا، حصيفا كالجاحظ يذهب مذهب المتعصبين للفظ، المهملين للمعنى مطلقا. بل من الطبيعي الجزم بأن الرجل من أنصار الصياغة لا اللفظ، ومما يقوي هذا روايةٌ أخرى لعبارته السابقة ورد فيها لفظ "الصياغة" بدل "الصناعة"[5]، والفرق واضح بين اللفظ والصياغة، فالأول هو المقابل المجرد للمعنى، أما الصياغة فعملية فنية معقدة، لا تكون إلا من معان راقية يُعبّر عنها في بناء لغوي فني.

وهو ما يجعله بلا ريب من الذاهبين مذهب أصحاب النظم في هذه المسألة، ذلك المذهب الذي نزع إليه عبد القاهر الجرجاني (ت. 471ه ؟) لاحقا، ونافح عنه، وصاغ فيه نظريته المنسوبة إليه، وذلك بعد أن استبطن فكرةَ الجاحظ في هذه المسألة وأحسن فهمها، علما أن للجاحظ كتابا مهما يتصل بهذه المسألة هو "نظم القرآن"، ضاع في جملة ما ضاع من آثار الرجل.

سوء فهم مقولة الجاحظ ومزالق نقاد لاحقين

وقد يكون سوء فهم مقولة الجاحظ هو ما أدّى ببعض النقاد والبلاغيين القدماء إلى الانحياز إلى جانب اللفظ، وربما كان أبو هلال العسكري (ت.395هـ) أكثر المتورطين في ذلك "... فلم يكن الجاحظ يتصور أن نظريته التي لم تكن تمثّل خطرا عليه ستصبح في أيدي رجال البيان خطرا على المقاييس البلاغية والنقدية لأنها ستجعل العناية بالشكل شغلهم الشاغل "[6].

ومهما يكن من أثر سوء فهم النقاد اللاحقين لمقولة الجاحظ، والتي أوهمت بعضهم أنه يقدّم اللفظ، فانخرطوا في هذه المفاضلة المجانية، "تبركا" واقتداء بذلك العالم الفذ، فقد "... كان لتلك التفرقة بين هذين المستويين من المعنى في نظر الجاحظ ذيوعها – إن لم يكن تأثيرها العميق – لدى كثير من النقاد والبلاغيين، ففي ضوئها عولجت كثير من القضايا المتعلقة بالمعنى (كقضية اللفظ والمعنى وقضية السرقات) في تراثنا النقدي، وعلى أساسها ... قامت النظرة إلى المعنى، وانبثق منهج تناولِه وتحليله في ميدان البحث البلاغي[7].

تفرعات عن القضية

ومن بين أهم المسائل التي تفرعت عن هذه القضية في النقد العربي القديم، قسمة ابن قتيبة الشعر قسمة رباعية[8] بناء على ثنائية " اللفظ والمعنى"، وحظ كل طرف منهما من ثنائية ( الجودة والرداءة). فبتوزيع طرفي هذه الثنائية على تلك يكون الحاصل من أضرُب الشعر أربعة:

1. ضربٌ منه حسن لفظه وجاد معناه.

2. ضربٌ منه حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى.

3. ضربٌ منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه.

4. ضربٌ منه تأخر معناه وتأخر لفظه.

ويقدم ابن قتيبة أمثلة وشواهد شعرية لكل ضرب. وظاهر كلام ابن قتيبة، من تصنيفه وشواهده لها، أنه ممن يقدمون الشعر بمعناه، أي بما يشتمل عليه من فكرة راقية أو معنى خلقي[9]، فحين تكلم عن الضرب الثاني ساق شاهدا له قول الشاعر:

ولَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجــــــــــــــــــــــةٍ      ومَسَّحَ بِالأَرْكانِ مَنْ هُوَ مَاسِــــــــــــــحُ

وشُدَّتْ على حُدْبِ المـَهارِي رحَالُنَا      ولا يَنْظُرُ الغَادِي الذي هُوَ رَائـــــــحُ

أَخَذْنَا بِأَطْرافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنـــــــــــــــــا      وسَالَتْ بِأَعْنَاقِ المَطِىِّ الأَبَاطِــــــــــــــحُ

ثم ذهب يبسط معاني الأبيات الثلاثة في جمل نثرية تقريرية، ليصل إلى أنها معان تافهة لا فائدة منها، وتلك قضية مبكرة لمشكل الفائدة والمتعة في الفن في نقدنا العربي.

ويرد الدكتور محمد مندور موقف ابن قتيبة من هذه الأبيات إلى كونه "يتطلب في كل بيت أو أبيات من الشعر معنى عقليا أو حكمة أخلاقية. وعلى هذا الأساس يعيب بعض الشعر الرائع بدعوى خلوّه من المعنى ..."[10].

وقد عاب مندور هذا التوجه "الضيق" غير الفني على ابن قتيبة، يستوي في ذلك توجهه إلى المعنى الخلقي، وتوجهه إلى شعر الفكرة، يقول معقبا على تفضيل ابن قتيبة لبيت أبي ذؤيب[11] الذي ساقه مثلا للضرب الأول، وعائبا عليه التوجه "الفقهي" في بعض نقده :"... وهذه نظرة الفقيه ابن قتيبة، وهي بدورها نظرة ضيقة، إذ من الواضح أن مادة الشعر ليست المعاني الأخلاقية، كما أنها ليست الأفكار، وأن من أجوده ما يمكن أن يكون مجرد  تصوير فني، كما أن منه ما لا يعدو مجردَ الرمز لحالة نفسية رمزا بالغ الأثر قوي الإيحاء لأنه عميق الصدق على سذاجته..."[12].

وفي المقابل يُشيد بحصافة رأي عبد القاهر الجرجاني، الذي خالف ابنَ قتيبة الرأيَ في نقد الأبيات السابقة، ورآه أقرب إلى روح النقد الفني، "... فصحّح هذا الفهم الخاطئ لابن قتيبة، ودافع عن هذه الأبيات الجميلة أروع دفاع مظهرا ما فيها من براعة التصوير، مؤكدا أن الشعر قد يخلو مما يسميه ابن قتيبة بالمعنى، ومع ذلك يبلغ الذروة في الشاعرية بقوة تصويره كما هو الحال في هذه الأبيات"[13].

ففي (دلائل الإعجاز) أسبغ الجرجاني على الأبيات ظاهر التقريظ وباطنه، وبيّن ما تميزت به من روعة تصوير، وبدعة استعارة هي من "الخاصّيِّ النادر الذي لا تجده إلا في كلام الفحول"[14]،  وذهب يحللها تحليلا نحويا نظْميا، كاشفا عن سر جمالها الفني، وما فيها من تغريب،  وتشكيل لغوي فريد[15].

غير أن حديث ابن قتيبة عن الحالة المعاكسة في الضرب الثالث، لا تجعله من المتطرفين في تفضيل المعنى على اللفظ. فمع أن قضية اللفظ والمعنى عنده"...لم تتناول العمل الأدبي كله بحيث تتطور إلى ما نسميه "الشكل والمضمون" ، ولا هي استطاعت أن تقترب مما قد يسمى "الصلة الداخلية" بين هذين، ولعلها كانت ذات أثر بعيد في صرف النقد عن تبين وحدة الأثر الفني في مبناه الكلي، غير أنها رغم ذلك، أسلم من الانحياز السافر إلى جانب اللفظ[16].

وكلام ابن قتيبة السابق يُظهر أنه يتطلب الجمع بين جودة المعنى وحسن الألفاظ، وذلك بالنظر إلى التراتبية التي نسق فيها أضرب الشعر الأربعة، حسب ثنائية اللفظ والمعنى، وطبيعة حديثه واستشهاده لكل ضرب، وهو أمر ليس فيه تفرد ظاهر، بل هو مسعى لكل ناقد يبحث عن عناصر الكمال في الإبداع، كما أنه الجواب المنتظر من كل من يُسأل عن أسباب التفوق في العمل الشعري. لذلك ليست نظرة ابن قتيبة من قبيل نظرية النظم، ولا فيها ما في تلك من بعد نظر وتأمل فلسفي ظاهر، وعمقِ بحثٍ، فنظرية النظم لا تبحث في جودة أحد الطرفين أو كليهما، بل في العلاقة بين اللفظ والمعنى، ورصد لما يحملهما مركَّبهما من دلالة قائمة في نفس المتكلم، ولما يتضمنه من وفاء لمراده، وملائمة لمقامات الكلام.

 أما الشأن في تصنيف أكثر النقاد الآخرين في إحدى الفئتين فبيّن الصعوبة، لغموض أكثر النصوص التي وردت عنهم، ولما يظهر عليها من تباين يوهم بالتناقض أحيانا، وذلك لصعوبة هذه القضية، وتعقدها، واختلاف المقصود باللفظ والمعنى، ومستوياتهما. وهو ما ينجم عنه التسرع والمجازفة عند محاولة عد ناقد أو مجموعة من النقاد من أنصار اللفظ، أو أنصار المعنى، وفي ما سبق من حديث حول الجاحظ خير شاهد لذلك.

ومن الأمور المهمة التي لا ينبغي إغفالها عند الخوض في هذه القضية، أن هناك طائفة من النقاد القدماء، ارتفعوا عن البحث في اللفظ وحده أو المعنى وحده، واهتدوا إلى نكتة نقدية وبلاغية لطيفة، رأوا أنها هي ما يجب توجيه الانتباه إليه، وتكريس البحث له، وهي البحث في (العلاقة) بين مجموع الألفاظ والمعاني التي تعبّر عنها، مشكّلين بذلك طائفة ثالثة في قضية اللفظ والمعنى.

من أشهر هؤلاء النقاد عبد القاهر الجرجاني، الذي استفاد من رؤية الجاحظ السابقة، بعد أن فهمها حق فهمها وتفطن إلى أسرارها، فعاب على النقاد الذين جعلوا الأقاويل الشعرية أشتاتا من ألفاظ ومعان، وذهبوا يبحثون عن مزية  اللفظ والمعنى منفصلين، فدعا بحرارة إلى اطّراح هذا المنهج السقيم، وذهب يعمّق ما وصل إليه الجاحظ من قبل، وينظّر له، مستشهدا وممثلا، حتى استوت له نظريته في "النظم" وذلك في كتابه (دلائل الإعجاز).

ونظرية النظم شهادة إثبات موثِّقة لعبقرية البحث النقدي والبلاغي عند نقادنا القدماء، وحجة بالغة في الدلالة على عمقه وأصالته. وقد كانت كفيلة بإنهاء الفصل المفتعل بين اللفظ والمعنى، لو قُدّر لها من يستوعب مراميها في صورة شاملة، ومن يوسع مجال تطبيقها في الأدب والنقد عموما، بعد أن استفاد منها الزمخشري (ت. 538 هـ)، ووسّع نطاقها قليلا بتطبيقها في تفسيره (الكشاف).

 

 

 

2. القدماء والمحدَثون

صراع ثقافي

كان حلول العصر العباسي إيذانا بدخول المجتمع العربي تحولات وتبدلات ثقافية وحضارية، اتخذت أحيانا طابع الصراع والتغالب بين الثقافة العربية الأصلية والثقافات الأجنبية الوافدة. تلك الثقافات التي وقفت في بعض الأحيان موقف الهجوم الصريح على الموروث العربي، لاسيما أنه كان على رأس الفاعلين في الثقافات المستجدة الفرس، الذين كان كثير منهم يصدر في مواجهته للثقافة العربية عن شعور بالاستعلاء، وعقدة التفوق.

والواقع أن كثيرا منهم ما كانوا يستترون في ازدراءهم للعرب وثقافتهم، ولم يواربوا في إظهار احتقارهم لهم، معبرين عن ذلك بلغة مفعمة بالعنصرية والشعوبية، لا تفارقها في كثير من الأحيان معاني البذاءة والإقذاع، ولا تغيب عنها الدعاوى الكاذبة والتجني الصريح. وإن كان بعضهم متجافيا عن تقاليد الثقافة العربية بقناعة فكرية صرفة، وبتلقائية بريئة، وواقعيةٍ من معيشة تفرض مسايرة الواقع الثقافي الجديد والمدنية المستحدثة في ذلك العهد، وهو الأمر الذي شاطرهم فيه مثقفون وشعراء من العرب أنفسهم.

وكان من المنتظر – والشأن كذلك -  أن تأخذ الثقاقة العربية موقع الدفاع عن النفس، وهي تشعر بحدة الهجوم، وتقدّر أن الحرب حرب وجود. وهو أمر منتظر، إذ طالما عرف عن الموروث شراسته، واستماتته في الدفاع عن نفسه، في كل ثقافات العالم.

كان من جبهات هذا المعترك الثقافي والحضاري الثقافة الأدبية، لاسيما الشعرية منها، على أساس أن الشعر هو ديوان العرب، وأغلى الأعلاق النفيسة في التركة التي خلّفها القدماء، وأغنى مكسب ثقافي تليد تتجلى فيه ملامح السلف، وقسمات الأجداد.

إطار زمني

وفي استعراض مكثف لحالة الشعر العربي قبيل بزوغ شمس المحدَثين، وبيان للإطار الزمني للشعر المحدث يقول الدكتور بسيوني عبد الفتاح فيود :"ظل الشعر العربي حتى أوائل القرن الثاني قوي العبارة جزل التراكيب، تغلب عليه روح البداوة القديمة في المنهج والصياغة والمعنى والخيال وبقيام الدولة العباسية في أوائل القرن الثاني أخذت الحياة العربية تبتعد تدريجيا عن البداوة وتدنو من الحضارة، وظهر في القرن الثاني طائفة من الشعراء تأثروا أكثر من غيرهم بمظاهر الحضارة العباسية الجديدة وعُرفوا بالشعراء المحدثين"[17].

ثم يذكر أسماء طائفة من الشعراء اتُخِذوا معالمَ تحدد نهاية القديم، وأسماء شعراء من طائفة أخرى اتخذوا معلما لبداية الشعر المحدَث، وعلى رأسهم بشار بن برد، الذي هو إمام المحدثين، يقول :"... ينتهي عصر الجزالة والقوة بعدَ جرير والفرزدق بقليل ينتهي بشاعر كالكُميت، ويبدأ عصر المحدثين ببشار بن بُرْد ومروان بن أبي حفصة ومطيع بن إياس، وغيرهم من مخضرمي الدولتين، الأموية والعباسية، ويغلب اتجاههم على معظم من جاء بعدهم من الشعراء"[18].

والمعروف أن وفاة جرير والفرزدق هي سنة 110 هـ، أو 114 هـ على أبعد تقدير، أما الكُميت بن زيد الأسدي فكان مقتله سنة 126 هـ، أي قبيل نهاية الدولة الأموية بست سنوات. أما شعراء الطائفة الثانية الذين هم فاتحة المحدثين فالملاحظ أنهم من مخضرمي الدولتين، ففترة حياة بشار بن برد هي (95-167ه)، أما مروان بن أبي حفصة فقد عاش في الفترة المحصورة بين (105-182هـ)، وكانت وفاة مطيع بن إياس، في بعض الأقوال سنة 166 هـ ؟ ، ولا تعرف سنة ميلاده تحديدا، لكن يُذكر أنه مدح الخليفة الأموي الوليد الثاني بن يزيد الثاني الذي قتل سنة 126 ه.

ثم يبين استراتيجيتهم في المغايرة، ومخالفة الآخر الذي سبقهم إلى كل شيء من جماليات الشعر، واختيارهم لمنطقة نفوذ تخصهم، فـ "... هؤلاء المحدثون ثاروا على القديم الموروث، ولما كان القدماء قد سبقوهم إلى كل شيء في الشعر، من حيث فنونه ومعانيه وأساليبه، قصَروا تجديدهم على ديباجة الشعر وصياغته، وعلى التعبير عن بعض النزعات والرغبات المكبوتة، التي وجدت في روح التسامح والتغاضي السائدة في المجتمع العباسي منطلقا لها "[19].

أنصار ومتذوقون

سبقت الإشارة إلى أن الرواة واللغويين والنحاة كان ضَلْعهم مع القدماء، وذلك عند الحديث عن فئات النقاد في العصر العباسي، وهو شيء مفهوم لأن وكْد هؤلاء هو البحث عن الشاهد النحوي واللغوي ، ولما كان شرط الشاهد هو الفصاحة التي قصروها على القدماء، وحددوا لها معايير زمانية ومكانية تتصل بذلك الشرط، كان تعصبهم للقدماء وازورارهم عن المحدثين.

غير أنه من المفيد أن نضيف هنا أن هؤلاء المحافظين، قد وجدوا من الخلفاء والأمراء نصيرا لهم على دعاة التجديد والحداثة. فحين أعلن أبو نواس ثورته على المقدمة الطللية الغزلية، التي رسخت في تراثنا الأدبي رسما من أهم رسوم القدماء، وتقليدا فنيا ضرب بجذوره من العصر الجاهلي حتى العصر العباسي، اضطره الخليفة إلى وصف الطلل، وهجر وصف الخمر[20]، فقال :

أَعِرْ شِعرَك الأطلالَ والدِّمَن القفْرا         فقد طال ما أزرى به نَعْتُك الخمْرا[21]

دعاني إلى نعْتِ الطلول مُسلَّــــــــطٌ          تَضِيقُ ذراعي أن أجوزَ[22] له أمْـــــــــــــرا

فسمعٌ[23] أميرَ المؤمنين و طاعـــــــــــــــــةٌ          وإنْ كنتَ قد جشّمتني مركبا وَعْــــــرا

وتلك شهادة تثبت أن الصراع بين المحدثين والمحافظين كان على أشده في هذا العصر، وأن المحافظين كانوا محظوظين بميل الطبقة الحاكمة إليهم. وهو أمر مفهوم، إذ طالما كان ميل الأرستقراطيين والحكام إلى الإبقاء على الأوضاع المتوارثة، التي يستمدون منها مشروعية وجودهم وتَميّزهم، وصدُّهم عن الثورات التجديدية التي غالبا ما تكون تهديدا لمصالحهم، ولا يدرون بم يأتي جديدها ؟ ولا أيَّ منقلب ينقلبون بعدها ؟

والحق أن الخلفاء والأمراء العباسيين وهم يقفون موقفهم هذا، قد وضعوا أنفسهم في أزمة تناقض بين أناهم المثقفة بثقافة العصر، وميلِهم إلى المحافظة على الموروث الشعري، فهم على كل حال في زمرة النخبة من المثقفين المتشربين لمترجمات اليونانيين وغيرهم من الأجانب، الذين شجعوا على نقل حصائد قرائحهم إلى العربية، مثيبين النقَلة والمترجمين بوزن ما يترجمونه ذهبا أحيانا. وهذا أبو الطيب المتنبي يمدح أبا الفضل بن العميد وزير ركن الدولة بن بويه، بتضلعه من الثقافة الأجنبية، وإحاطته بالفلسفة فيقول:

عربيٌّ لسانُه، فلسفيٌّ        رأيُه، فارسية أعيــــادُهْ[24]

ولكثير منهم أبيات ذهبوا فيها مذهب المحدثين، حتى العرب الأقحاح منهم كسيف الدولة الحمداني.

 غير أنهم وجدوا لأنفسهم مخرجا من ذلك التوزع بين ذوقهم الثقافي ومحافظتهم السياسية، وذلك بأن يشجعوا الذوق المحدث في الشعر، أو يغضوا الطرف عنه في أضعف الأحوال، إذا كان عن عفوية وإبداع مباشر من الشاعر. فأما إذا اتخذ الطابع الدعوي، ولجأ الشاعر إلى الصدع بتبني المذهب الجديد وازدراء القديم مجاهرةً ومحاجّة، فهنا يتدخل أولو الأمر لنصرة التليد، والانتصاف (للـعباءة القديمة)، حتى وهم رافلون في الطيلسان الجديد، لاسيما إذا رأوا أن المجاهرة والدعوة إلى الجديد قد أُشبعت بروح الشعوبية، عندئذ يتدخل الخليفة ويجبر الشاعر إجبارا على السجود في محراب القديم، لا احترامه فحسب، كما مر مع أبي نواس وأبياته التي أكرهه "المسلّط" على وصف الطلول في صدرها.

وإذا كان ميل النقاد النحاة واللغويين إلى القدماء مبررا نسبيا، لاتخاذهم الشعر مدونة للشواهد النحوية واللغوية، فمن غير المبرر مطلقا تعصبهم على المحدث، فقد حفظت الكتب مواقف مذهلة لهم، تظهر تحاملهم وتعسفهم في رده، حتى ليلجأ الشاعر المحدث إلى المناشدة والتلطف عند عرض شعره عليهم، فعلَ محمد بن مناذر (ت.198 هـ) الذي لقي خلّادا الأرقط فأنشده قصيدته التي مطلعها

كُلُّ حَيٍّ لاقَى الحِمام فَمُودي    ما لحي مومِّل من خلـــــــــــود[25]

ثم قال له :" أقرىء أبا عبيدة السلام وقل له: يقول لك ابن مناذر: اتق الله واحكم بين شعري وشعر عديّ بن زيد ولا تقل ذلك جاهلي وهذا إسلامي وذاك

قديم وهذا محدث فتحكم بين العصرين ولكن احكم بين الشعرين ودع العصبية"[26].

والحقيقة أن النقَدة اللغويين والنحاة  كثيرا ما كان تعصبهم للقديم يضعهم في مواقف حرجة، يُلقون فيها بأنفسهم، أو يورطهم فيها خصماؤهم من المحدثين، إلزاما وإفحاما، فيخرجون عن المناشدة والتلطف، الذي توسل به ابن مناذر إلى أبي عبيدة، ويلجؤون – أحيانا - إلى المكر بأنصار القديم، ليوقعوهم في التناقض والاضطراب، كما فعل إسحاق بن إبراهيم الموصلي بالأصمعي حين أنشده قوله:

هل إلى نظرة إليكِ سبيــــــــــــــــــــــــــــلُ     فيُروّى الصدى ويُشفى الغَليــــــلُ

إن ما قلَّ منكِ يكثر عنــــــــــــدي     وكثيرٌ ممن تُحِبُّ القليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلُ

فقال له الأصمعي: لمن تنشدني ؟ فقال لبعض الأعراب فقال: هذا والله هو الدِّيباج الخسرواني، قال: فإنهما لليلتهما، فقال: لا جرم والله إن آثار الصنعة والتكلف بيّن عليهما[27]. ومثله وقع لابن الأعرابي حين أُنشد أرجوزة أبي تمام التي أولها:

وعاذلٍ عذلتُه في عَذْلــــــــــهِ      فظنّ أنِّي جاهل من جهلهِ

على أنها لبعض العرب فاستحسنها وأمر بعض أصحابه أن يكتبها له، فلما فعل

قال : إنها لأبي تمام. فقال: خرّقْ، خرق. فخرقها[28].

ويبدو أن هذا هو ديدن ابن الأعرابي مع الشعر المحدث، ومع أبي تمام تحديدا، فقد ذكر المرزباني أنه كان يأمر بكتْب جميع ما يجرى في مجلسه، فأنشده رجل يوما أرجوزة أبي تمام في وصف السحاب على أنها لبعض العرب، وهي قوله:

 ساريةٌ لم تَكتحِلْ بغَمْــــــــــــــــــــــــــــــضِ[29]

كَدْراءُ ذاتُ هَطلانٍ مَحــــــــــــــــــضِ

مُوقَرَةٌ من خُلّةٍ وحَمْـــــــــــــــــــــــــــــــــــضِ

تمضي وتُبقي نِعَما لا تمضِـــــــــــي

قَضَتْ بها السماءُ حقَّ الأرض

فقال ابن الأعرابي: اكتوبها، فلمّا كتبوها قيل له: إنها لحبيب بن أوس، فقال: خرّق خرّق، لا جرم إن أثر الصّنعة فيها بيّن[30].

وربما وصل تعصب هؤلاء النقاد للقدماء حدا يتجاوزون معه الحوار النقدي، إلى (التأديب) والعنف الجسدي، إذا قدّروا أن المتأخرين تطاولوا على الأسلاف، واشرأبّت نفوسهم إلى مقامهم السامي، فقد رُوي أن ابن مناذر قال لخلَف الأحمر –وقد جمعته به مأدبة- ، يا أبا محرز، إن يكن امرؤ القيس والنابغة وزهير ماتوا فهذه أشعارهم مخلَّدة، فقِسْ شعري إلى شعرهم. فأخذ صحْفة مملوءة مرقا فرمى بها عليه[31].

وإذا كان القدماء قد كُتبت لهم الحظوة عند اللغويين والنحاة، فقد كتب للمحدثين والمولدين عِدْل ذلك عند البلاغيين والنقاد، الذين لم يجدوا غضاضة في أن يقرّوا لهم بالتفوق والسبق في مجال المعاني والتصوير، من هؤلاء ابن حجّة الحموي (ت.837 هـ) الذي نوّه بفضيلة الشعراء المولّدين، وتفوقهم في تجويد المطالع، وحسن الابتداء، وأقرّ بحاجته إلى مدونة أشعارهم للاستشهاد له منها، وكأنما أحس بحاجته أيضا إلى تبرير ذلك، فصرح بأن"... الاستشهاد بكلام المولدين وغيرهم من المتأخرين ليس فيه نقص "[32].

ويبيّن أن صلاحية شعر المولدين لأن يكون مرجعية استشهاد، إنما هي في علوم البلاغة الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع، من بين سائر علوم الأدب التي يعدّها ستة، "... وذلك أنك إذا نظرت في الكلام العربي، إما أن تبحث عن المعنى الذي وُضع له اللفظ، وهو علم اللغة، وإما أن تبحث عن ذات اللفظ بحسب ما يعتريه، وهو علم التصريف، وإما أن تبحث عن المعنى الذي يُفهم من الكلام المركب بحسب اختلاف أواخر الكلم، وهو علم العربية، وإما أن تبحث عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال بحسب الوضع اللغوي، وهو علم المعاني، وإما أن تبحث عن طرق دلالة الكلام إيضاحا وخفاءً بحسب الدلالة العقلية، وهو علم البيان، وإما أن تبحث عن وجوه تحسين الكلام، وهو علم البديع "[33].

ثم يوزع تلك العلوم على مرجعياتها في الاستشهاد فيقول :"... فالعلوم الثلاثة الأُوَل، يستشهد عليها بكلام العرب، نظما ونثرا، لأن المعتبَر فيها ضبط ألفاظهم، والعلوم الثلاثة الأخيرة يستشهد عليها بكلام العرب وغيرهم، لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم، إذا كان الرجوع إلى العقل"[34]. ويقوي موقفه بمذهب ابن جنّي في إجازة الاستشهاد بكلام المولدين في المعاني، كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ.

ومعلوم أن ابن جنّي يرى أن "... المعاني يتناهبها المولدون كما يتناهبها المتقدمون"[35]. وقد دافع عن استشهاده بكلام المتنبي في كتابه (المحتسب) بحماس فقال :"... ولا تقُل ما يقوله مَن ضعفت نَحِيزته، وركَّت طريقته: هذا شاعر محدث، وبالأمس كان معنا، فكيف يجوز أن يُحتج به في كتاب الله (عز وجل) ؟ فإن المعاني لا يرفعها تقدم، ولا يزري بها تأخر ... "[36].

وعلى ذكر المولَّدين والمحدَثين، تجدر الإشارة إلى أن الراجح أن المحدثين هم "الذين حدثوا بعد المولَّدين، أي الذين وُلدوا بعدهم"[37]،  فيكون المولدون بهذا الاعتبار هم شعراء العصر الأموي، ومن أقدم النصوص الدالة على هذا قول أبي عمرو بن العلاء (ت.154 ه) :"لقد أحسن هذا المولَّد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته ! يعني بذلك شعر جرير والفرزدق فجعله مولدا بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين ..."[38].

 على أن الأمر لا يخلو من إشكال، حين نجد ابن قتيبة يعدّ جريرا والفرزدق من المحدثين، مستشهدا بقول ابن العلاء السابق، وفيه "المحدث" بدل "المولد"، وذلك قوله :"... كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يُعدّون محدثين. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدَث وحسن حتى لقد هممت بروايته "[39].

غير أن الراجح ما سبق، فيكون ابن قتيبة قد استخدم مصطلح " المحدثين" قاصدا به "المولدين" عند أبي عمرو، فتصرّفَ في نص أبي عمرو تبعا لذلك، أو يكون ابن العلاء قد استخدم المصطلحين في مناسبتين مختلفتين، وهذا وارد نظرا إلى كونهما كليهما يعبّران عن المفهوم المقابل للشعراء الإسلاميين والمخضرمين، وهو ما يتطلب وقتا لاستقرار مدلول كل واحد منهما، وتميزه عن الآخر.

 

3. الطبع والصنعة

علاقات وتداخلات

سبقت الإشارة إلى الامتحان الماكر الذي وضع الموصليُّ الأصمعيَّ فيه، حين عرض عليه بيتين له زاعما أنهما لشاعر قديم، فقرّظهما خير تقريظ، حتى إذا علم أنه صاحبهما عاد فذمهما، تعصبا للقديم على المحدث، ولم تكن حجّةَ الأصمعي في تنقّصهما إلا أن أثر الصنعة ظاهر عليهما. ومن هنا تظهر علاقة ثنائية (الطبع والصنعة) بثنائية (القديم والمحدث).

فأعظم عيب يعده أنصار القديم على المحدثين هو الصنعة، بل إن ابن المعتز يذكر أنه إنما جعل صدر أبواب كتابه في (البديع) طائفة من شواهد البديع، في القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وغيرهما "...ليُعلم أن بشارا ومسلما وأبا نواس ومن تقيّلهم وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم فأعرب عنه ودل عليه، ثم إن حبيب بن أوس الطائي شُعِف به حتى غلب عليه وتفرع فيه وأكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف..."[40].

وإذًا ليس المحدثون بدعا في استخدام البديع، فقد وجد في كتاب الله وأحاديث الرسول، وأشعار المتقدمين، غير أن المحدثين كانوا فيه من المسرفين، مخالفين سنة المتقدمين، الذين كان الشاعر منهم يقول "... من هذا البيتَ والبيتين في القصيدة، وربما قُرئت من شعر أحدهم قصائدُ من غير أن يوجد فيها بيت بديع، وكان يستحسن ذلك منهم إذا أتى نادرا ويزداد حظوة بين الكلام المرسل..."[41]

وكون المحدثين متعمدين للبديع، وكون أبي تمام رأسِ الجيل الثاني من هؤلاء قد أسرف وأفرط في تعمده، حتى أفسد بعض شعره به، ليس له من تسمية إلا الصنعة، وهذا ما يؤكد عمليا الترابط بين الثنائيتين السابقتين، بحيث يُشد الطرف الأول إلى الطرف الأول، والثاني إلى الثاني من كل واحدة، فالطبع للقدماء، والصنعة للمحدثين.  

غير أن هذا الربط لا يستقيم لأصحابه، إذا علمنا أن من الشعراء الفحول والقدماء، من كان يذهب مذهب الصنعة، بل إن فيهم من يعترف بذلك، ويفاخر به، ويرى الخير فيه، وأشهر من تروى له مقولات في هذا الحطيئة القائل :"خير الشِّعر الحَوليُّ المحكَّكُ"[42]. حتى إن الأصمعي يضع تسمية "العبيد" دالة على طريقة الشعراء المحككين، فيقول :" زهير بن أبي سلمى، والحطيئة وأشباههما، عبيد الشعر "[43]. ويزداد ذلك الربط ضعفا إذا أخذنا في الحسبان أن البديع ليس هو كل مظاهر الصنعة.

الطبع والصنعة في مواجهة الشعوبية عند الجاحظ

ومن أقدم النقاد والبلاغيين الذين تناولوا القضية الجاحظ، الذي جعل الطبع فضيلة للعرب دون العجم، وهو ما يدخل بوضوح في مشروعه  لمواجهة الشعوبية، ومنظومة دفاعه عن الثقافة والبلاغة العربيتين، فللفُرس خطب كالعرب : "... إلا أنّ كلَّ كلامٍ للفُرس، وكلَّ معنىً للعجم، فإنّما هو عن طُولِ فكرة وعن اجتهاد رأي، وطُول خلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طُول التفكُّر ودِراسة الكتُب، وحكايةِ الثاني علمَ الأول، وزيادةِ الثالث في علم الثاني، حتَّى اجتمعت ثمار تلك الفِكَر عند آخِرِهم، وكلُّ شيءٍ للعرب فإنّما هو بديهةٌ وارتجال، وكأنّه إلهام، وليست هناك معاناةٌ ولا مكابدة، ولا إجالةُ فكر ولا استعانة، وإنّما هو أن يصرفَ وهْمَه إلى الكلام، وإلى رجَزِ يومِ الخصام، أو حين يمتَح على رأس بئر، أو يحدُو ببعير، أو عند المقارعة أو المناقلة، أو عند صِراع أو في حرب، فما هو إلّا أن يصرف وهْمَه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، ثم لا يقيِّده على نفسه، ولا يدرسه أحدا من ولده، وكانوا أُمِيين لا يكتبون، ومطبوعِين لا يتكلَّفون، وكان الكلام الجيِّد عندهم أظهرَ وأكثر، وهم عليه أقدر، وله أقهَر..."[44].

تجدر الإشارة إلى أن للجاحظ رأيا حصيفا ونظرة عميقة في هذه المسألة، تتلخص في أنه يتفهم حدوث الصنعة في بعض أبيات القصيدة، فذلك لا يتعارض مع الطبع، ولكن لا يمكن فهم خروج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة، إلا على أنه تعمد للصنعة ظاهرٌ، يقول بعد حديثه عن (عبيد الشعر) :"... وكذلك كلُّ من جَوَّد في جميعِ شعره، ووقف عند كلِّ بيت قاله، وأعاد فيه النَّظَر حتى يُخرِجَ أبياتَ القصيدة كلّها مستويةً في الجودة..."[45].

فتفاوت الشاعر في فنه، ومراوحته بين الفخامة تارة، والبساطة تارة أخرى، دليل على الطبع، وإسلامِ الشاعر قيادَه للموقف. لذلك قدّم النابغةَ الجعديّ الذي عبّر القدماء عن تفاوت شعره بالعبارة الاستعارية " مُطْرَفٌ بآلاف وخِمارٌ بِوَافٍ "،  يقول:"... وإنَّما الشّعر المحمود كشعر النابغة الجَعْدِيّ ورُؤبة، ولذلك قالوا في شعره: مُطْرَفٌ بآلاف وخِمارٌ بِوَافٍ، وقد كان يخالف في ذلك جميع الرُّواة والشعراء"[46].

 

 

غموض والتباس

على أنه يجب الإقرار أن مفهوم هذه الثنائية لم يخلُ هو أيضا من غموض والتباس، شأنه في ذلك شأن جلّ المفاهيم الفنية لما تتميز به من عمق، ومن تطور ينالها في سيرورتها التاريخية، ومن خصوصية في الاستعمال عند بعض النقاد والبلاغيين، لذلك"... ظل مفهوم الطبع ومفهوم الصنعة مفهومين يكتنفهما الغموض في كثير من الأحيان. ويعود سبب الغموض هذا إلى تفاوت تصور النقاد لهذين المفهومين. فبعض النقاد فهم مدلول الطبع على أنه مرادف للبديهة. وفهمه آخرون على أنه مرادف للارتجال. وفهمه آخرون على أنه اليسر في إخراج المعاني، والتعبير عن المشاعر تعبيرا للعفوية فيه نصيب كبير. كما تصور بعض النقاد الصنعة على أنها مرادفة للتنقيح والتهذيب تارة. وللبديع وضروبه تارة أخرى. وشرحها آخرون وكأن اللفظة مرادفة للتكلف تارة ثالثة"[47].

وفعلا فكما رأينا إشكال مصطلح المحدثين عند ابن قتيبة، نجد عنده إشكال الطبع الذي يقابله بالتكلف لا الصنعة، يقول:"ومن الشعراء المتكلف والمطبوع: فالمتكلف هو الذي قوّم شعره بالثقاف، ونقّحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهيرٍ والحطيئة، وكان الأصمعي يقول: زهيرٌ والحطيئة وأشباههما من الشعراء عبيد الشعر، لأنهم نقحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين، وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المنقح المحكك. وكان زهيرٌ يسمى كبر قصائده الحوليات... والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافي، وأراك في صدر بيته عجزه، وفي فاتحته قافيته، وتبينتَ على شعره رونق الطبع ووشي الغزيرة، وإذا امتحن لم يتعلثم ولم يتزحّر..."[48].

ومن أسباب هذا الغموض التطور الزمني، في استخدام مصطلح "الصنعة", وهو تطور أدى إلى تداخلات بينه وبين مفاهيم تنتمي إلى حقله الدلالي، مما له علاقة بعملية معاودة النظر في الصناعة الشعرية ، كمفهوم التنقيح والتهذيب.

 ومثَل "الصنعة" في ذلك مثَل مشتقاتها كـ "المصنوع"، "... فالواقع أن هذه اللفظة مرت بمرحلتين: الأولى، دلالة اللفظة على التنقيح والتهذيب ومجموعة التعديلات التي يلحقها الشاعر بالشعر بعد الفراغ منه. وبهذا المعنى كان استعمال النقاد والشعراء للفظة في العصر الجاهلي والإسلامي والأموي، ولكن لفظة (المصنوع) اكتسبت دلالة جديدة مع مجيء المولدين والمحدثين، وما جلبوه للشعر من مظاهر التجديد في الشكل فغدا (المصنوع) الذي هو ضد (المطبوع) يدل على مذهب الشاعر الراغب في الإكثار من ضروب الصنعة البيانية والمحسنات البديعية، والإسراف في استخدام مستجدات الشكل التي تعكس مستجدات الحضارة..."[49].

 

اعتراض على القضية  ودعوة إلى التصحيح

أما الدكتور شوقي ضيف فالأمر عنده أكثر من تداخل، سببه التطور الزمني، أو الاستعمالات الخاصة، فهو يرى أن القسمة الثنائية بين الطبع والصنعة سوء فهم محض، وعجز عن إدراك حقيقة الإبداع الشعري، ويرى أن ذلك خطأ فني وتاريخي يجب تصحيحه. وشوقي ضيف يقرّ بالصنعة، ولكنه ينفي نفيا صارما كفاية الطبع وحده في الفن عموما، وهو ما عبّر عنه بقوله :"... ورأيت أن هذا التقسيم لا يقوم على أساس صحيح، وما الطبع والمطبوعون في الشعر والفن ؟ إن كل شعر متأثرٌ بجهد حاضر وموروث أكثر من تأثره بما يسميه نقادنا باسم الطبع. وهل هناك شعر لا يعمد فيه صاحبه إلى بعض تقاليد في أساليبه وموضوعاته ومعانيه ؟ "[50].

وهو رأي وجيه، خصوصا إذا كان المقصود بالطبع الارتجالَ المطلق وعدم النظر الفكري في عمل القصيدة، وهي فكرة يمكن ردها بأن الشاعر ، قد يتوفر عنده من المهارة والدربة ما يستطيع به أن يغطي كل أثر للصنعة، ويوحي للمتلقي بأن عمله كان وليد البساطة والعفوية، وفي هذا السياق يرِد قول الدكتور جبّور عبد النور بعد تعريفه للعفوية (spontanéité) ، فيرى أنها كما تكون عن أصالة وطبع، يمكن أن تكون"... ناجمة عن جهد عميق في التنفيذ، ولكنّ المهارة التقنية تخفي معالم هذا الجهد، وتُبرز الأثر في بساطة آسرة"[51].

ويؤكد شوقي ضيف رأيه هذا داعيا إلى تصحيح تلك الفكرة بقوله :"... أما الفكرة التي تذهب عندنا إلى تقسيم الشعراء إلى أصحاب طبع وأصحاب صنعة، والتي نرى امتدادها في العصر الحديث فأكبر الظن أنها في حاجة إلى شيء من التصحيح..."[52].

لذلك يطرح فكرته البديلة عن الطبع والصنعة، ذلك الموروث المشْكل والمتداخل، الذي صار في حكم القطعي، حتى إنه لم يفكر أحد في إعادة النظر فيه، وتتمثل فكرته البديلة في تقسيم ثلاثي تابع لمراحل تاريخية، قطعها الشعر العربي من شعر صنعة إلى تصنيع فتصنّع[53]، مستندا إلى أن هذا الشعر لم يشهد تطورا واسعا في الموضوعات والأغراض الأساسية، وكل ما ظهر فيه أثر التطور إنما هو جانب " الصناعة نفسها، أي في الفن الخالص وما يرتبط به من مصطلحات وتقاليد "[54].

ويفصل رحلته الزمنية في تاريخ الصناعة في العصر العباسي، التي تدرجت من صنعة فتصنيع فتصنّع، ذاكرا نفرا من الشعراء الذين ساهموا في ذلك، ومبينا الأدوات الفنية التي استعملوها، يقول :"... كان المذهب القديم مذهبُ زهير أو مذهب الصنعة والصانعين قائما، بينما ظهر بجانبه مذهب جديد كان يعتمد على الزخرف والزينة، فالشعر- في رأي أصحابه - حليٌ وترصيع وبديع. ومثّل هذا المذهبَ الجديد في القرنين الثاني والثالث مسلم بن الوليد، ثم أبو تمام وابن المعتز، بينما مثّل المذهبَ القديم بشّارٌ وأبو نواس ثم البحتري وابن الرومي. ولما خرجتُ إلى القرن الرابع رأيت مذهبا جديدا يعمّ فنَّ الشعر وصناعته، وهو مذهب كان يقوم على إعادة الصور المطروقة والمعاني الموروثة بأساليب من اللفّ والدوران وإتيان المعنى من بعيد، ثم يحاول الشاعر بعد ذلك أن يضيف تعقيدا إلى أساليب الزخرف والتنميق السابقة أو يضيف تعابير وتراكيب شاذة من نحو غريب، أو تشيّع، أو تصوف، أو تفلسف، وما لبث أبو العلاء أن أوفى بهذا المذهب إلى غايته من التعقيد الشديد في لغته وأوزانه وما كان يتصنع له من لوزام مختلفة..."[55].  

ورأي شوقي ضيف هذا كفيل بأن ينسف الأساس الثنائي لهذه القضية، ويجعلها قضية ثلاثية الأطراف، إذا اكتفينا بظاهر الأمر، ولكن بشيء من التعمق في المسألة، وإعمال النظر، نستطيع ردَّها مرة أخرى إلى ثنائية هي (الصنعة والتكلف)، فتبقى الصنعة طرفا توجب الاحتفاظَ به حقائقُ الفن، ويستبدل بالطرف المقابل: "الطبعِ" التكلفُ، ويمكن حينئذ النظر إلى "التصنيع والتصنع" على أنهما درجتان متفاوتتان من التكلف.

 ويعضد هذا أن في مدوناتنا النقدية القديمة ما فيه تفريق واضح بين "الصنعة" و"التكلف"، فقد جاء في كتاب العمدة قول ابن رشيق :" والمصنوع وإنْ وقع عليه هذا الاسم فليس متكلفا تكلف أشعار المولدين، لكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعة من غير قصد ولا تعمل، لكن بطباع القوم عفوا، فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل، بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره، حتى صنع زهير الحوليات على وجه التنقيح والتثقيف: يصنع القصيدة ثم يكرر نظره فيها خوفا من التعقب بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة، وربما رصد أوقات نشاطه فتباطأ عمله لذلك، والعرب لا تنظر في أعطاف شعرها بأن تجنس أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية الشعر، وإحكام عقد القوافي وتلاحم الكلام بعضه ببعض حتى عدوا من فضل صنعة الحطيئة حسن نسقه الكلام بعضه على بعض ..."[56].

فابن رشيق يفرق بين المصنوع والمتكلَّف، والصنعة عنده لا تعني ضرورةً القصدَ والتعمّل، بل إن الصنعة عنده لا تضاد الطباع والعفوية، وهذا صحيح عندما يشعر القارئ بأنها ليست على حساب المعنى والعاطفة، وحين يملك الشاعر من الموهبة والأصالة ما يغطي به أثر الصنعة، كما مضى في تعريف العفوية عند الدكتور جبور عبد النور، أو عندما تقابل بالتكلف. وهو ما شرحه في آخر كلامه عند التطرق إلى مذهب العرب القدماء في ذلك، فهؤلاء العرب – والمثَل هنا زهير بن أبي سلمى - لم تكن الصنعة عندهم أكثر من تعقب القصيدة بعد الفراغ منها، على وجه التهذيب والتثقيف النهائي، قصْدَ سدِّ ما يمكن أن يكون خللا فيها.

أما المولدون والمحدثون فإن تتبعهم إنما هو تتبع جزئي تفصيلي للقصيدة بيتا بيتا ومعنى معنى، قبل الفراغ منها، بحثا عن الزخارف والوشي، من جناس أو طباق أو تقابل، يحملهم على التضحية ببعض اللفظ أو المعنى المقصود في سبيل الظفر به. 

 

 

 

4. السرقات

قضية السرقات وثقافة الناقد

كان من آثار اتصال النقد بالثقافة في العصر العباسي، تنامي البحث في السرقات الشعرية، واتساع مساحته بين سائر قضايا النقد آنذاك. ففي سبيل إثبات الناقد اطلاعه وكفاءته ذهب يفتش في معاني الشعراء ويُنقّر في جزئياتها، عله يظفر بشبهة اتصال بينها وبين معاني من سبقه ولو من غير الشعراء. بل صرنا نجد من يؤلف كتبا كاملة يردّ فيها معاني للمتنبي إلى المعلم الأول أرسطو.

وبذلك صار البحث في السرقات - في كثير من الأحيان - معرضا لإدلال الناقد بمحفوظاته من الشعر والحكمة، أكثر من كونه قناعة بتورط الشاعر في السرقة قصدا وتعمدا، وهو ما يقرره الدكتور إحسان عباس حين يجمل أسباب الاتجاه إلى البحث في قضية المعاني المشتركة بين الشعراء، فـقد "...كان العكوف عليها يبرز مدى اطلاع الناقد أكثر مما يبرز إيمان ذلك الناقد بأن الأخذ قد تم على النحو الذي يقرره..."[57].والاهتمام بالمعاني نفسُه يحتاج إلى تفسير، ولعل اتخاذ الشعر وعاء للمعرفة لاسيما عند المتأدبين من المعتزلة[58] أحد أهم أسبابه.

 

أسباب أخرى أدت إلى طرح القضية

إلى جانب ذلك توجد أسباب أخرى دعت إلى البحث في السرقات، منها ما هو شخصي، بعيد عن روح العلم، يتمثل في عداوة الناقد للشاعر وحسده له، ولا يصدق هذا السبب على شاعر صدقَه على المتنبي ذلك الشاعر المحسَّد، الذي خُص بمصنفات كاملة في مآخذه، صدقا وتحاملا. هذا مع عدم إغفال السبب الفني والنقدي المحض، الذي تدفع إليه محاولة رصد مواطن الأصالة والابتكار عند الشاعر، واستقلاله بوسائله الفنية، ومعانيه الشعرية، وهو من آكد تلك الأسباب إن لم يكن أهمها على الإطلاق.

يضاف إلى ذلك أسباب أخرى أكثر تعقيدا، من أهمها الوقوف عند التقاليد الشعرية المتوارثة، وبيان ذلك أن الشاعر العربي القديم كان في الغالب محكوما بتكرار أنماط من الشعرية القديمة، إذا آثر السلامة وعدم التعرض لنقمة سدنة الشعر القديم، وهذا ينطبق على الشاعر الجاهلي نفسه مع تقدمه في الزمن فـ"...الشاعر الجاهلي كان يقول، إجمالا، ما يعرفه السامع مسبقا: كان يقول عاداتِه وتقاليدَه، حروبَه ومآثره، انتصاراتِه وانهزاماته ..."[59].

وقد أدى هذا إلى نظرية خطيرة  تتلخص في اقتناع بعض النقاد بفكرة استنفاد السابقين للمعاني، ويبدو أن هذا ما استقر في أذهان الشعراء الجاهليين، فعبّروا عن ذلك إمّا في تقريرية مستسلمة، وإما في تضايق وتبرم، فهذا عنترة الجاهلي يقول:

هل غادر الشعراءُ من مُترَدَّمِ           أم هل عرفتَ الدارَ بَعد تَوهّمِ

وبعده كعب بن زهير المخضرم يعترف باستعارة أقوال السابقين، وفي أحسن الأحوال بتكرار ما قاله من قبل:

ما أرانا نقول إلّا مُعارا         أو مُعادا من لفظنا مكرورا

أما من جاؤوا بعد المخضرمين فأمرهم أعسر، ومجالهم أضيق، فحين سئل أبو عمرو بن العلاء عن المولّدين قال :" ما كان من حسَن فقد سُبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم"[60].

إن الاقتناع بأن السابقين قد استهلكوا المعاني، لن يترك أمام اللاحقين إلا احتذاءَهم فيها، وحتى لا يُتهموا بالسرقة الموصوفة والإغارة المكشوفة، فلهم أن يبرزوا  مهارتهم في إخفاء الأخذ، وابتكار التقنيات المساعدة على ذلك، "...وهذا ما يوضح كيف أن فرادة الشاعر لم تكن في ما يفصح عنه، بل في طريقة إفصاحه، وكيف أن حظه من التفرد وبالتالي من إعجاب السامع، كان تابعا لمدى ابتكاره المتميز في هذه الطريقة "[61].

 

أنواع وألقاب

ولما كان الأمر لا يتسع إلا إذا ضاق فقد توسع المحدثون في هذا المجال، رافعين التحدي، مُفْتنّين في ضروب الأخذ من السابقين، حتى اجتمعت لدى النقاد والبلاغيين القدماء طائفة من أنواع المآخذ وألقابها، أدرجوها في باب (السرقات)، ومن أكثر النقاد جمعا لأبوابها وأحسنهم تمثيلا لها ابن رشيق القيرواني، الذي يتميز  بحثه فيها – إضافة إلى الصفات السابقة – بتحوّطه وتثبته في تسمية كل أخذ تسميةَ السرقة، لذلك سمى الباب الذي بحث فيه القضية: "باب السرقات وما شاكلها"[62]، فوصل بألقاب السرقات وما شاكلها إلى عشرين لقبا، أولها الاصطراف وهو "... أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه..."[63].

ويفصّل بعد ذلك في أنواع الأخذ وألقابها: فإذا صرف الشاعر المعنى إلى نفسه "... على جهة المثل فهو اجتلاب واستلحاق، وإن ادعاه جملة فهو انتحال، ولا يقال منتحل إلا لمن ادعى شعرا لغيره وهو يقول الشعر، وأما إن كان لا يقول الشعر فهو مُدّع غير منتحل، وإن كان الشعر لشاعر أُخذ منه غلبة فتلك الإغارة والغصب، وبينهما فرق ... فإن أخذه هِبَة فتلك المرافدة، ويقال: الاسترفاد، فإن كانت السرقة فيما دون البيت فذلك هو الاهتدام، ويسمى أيضا النسخ، فإن تساوى المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ فذلك النظر والملاحظة، وكذلك إن تضادا ودل أحدهما على الآخر، ومنهم من يجعل هذا الإلمام، فإن حوّل المعنى من نسيب إلى مديح فذلك الاختلاس، ويسمى أيضا نقل المعنى، فإن أخذ بنْية الكلام فقط فتلك الموازنة، فإن جعل مكان كل لفظة ضدها فذلك هو العكس، فإن صح أن الشاعر لم يسمع بقول الآخر وكانا في عصر واحد فتلك المواردة، وإن ألف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض فذلك هو الالتقاط والتلفيق، وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب، ومن هذا الباب كشف المعنى والمحدود من الشعر، وسوء الاتباع، وتقصير الآخذ عن المأخوذ منه"[64].

وأول ما يلفت النظر في فقرة ابن رشيق هذه، غناها باللغة المصطلحية المتصلة بطرق الأخذ وفنياته، وهي طرق لم تكد تُغفل وجها من أوجه الأخذ، فمنها ما تعلق باللفظ، ومنها ما تعلق بالمعنى، ومنها ما تعلق بهما جميعا، ومنها ما هو أخذ مباشر، ومنها ما هو غير مباشر، ومنها ما فيه زيادة، ومنها ما فيه نقص، ومنها ما هو ضد.

 

 

 

الأخذ والسرقة: دوائرُ وحدود

من تحديدات ابن رشيق وتفريعاته، وكذلك غالب النقاد القدماء، يُفهم أنه ليس كل أخذ سرقة، فالأمر أكثر تعقيدا من تطابق في اللفظ، وتلاقٍ في الفكرة وتشابه في المعنى. وأكثر النقاد الذين عُنوا بهذه القضية يذهبون إلى أن المعاني تقع في ثلاث دوائر:

-       دائرة المعاني المشتركة: وهي المعاني العامة، ذات الصبغة الإنسانية الجامعة، القريبة من البداهة، وغيرِ المستبعدَة في موازين النفس البشرية، مثل تشبيه الوجه الحسن بالبدر، والشجاع بالأسد، والكريم بالبحر. فهذه وأمثالها لا سرقة فيها.

-       دائرة المعاني المتداوَلة: وهي أضيق من الأولى، لكونها غيرَ مُتاحة مثلَها لكل شخص، ولا هي قائمة في النفس. فهي معانٍ تتطلب نوعا من رهافة الحس، وآليّةُ حدوثها ليست البداهةَ، بل الاختراع. غير أنها - وإن كانت معانيَ مخترعَة - تشيع بين الناس فيتداولونها، ثم يكثر تعاطيهم إياها مع الزمن، وشيئا فشيئا تفقد أوليّتها، ويفقد مخترعها (براءة الاختراع)، وربما نُسيَ مع تقادم العهد، وتعاقب الأجيال، مثال ذلك تشبيه الحسناء بالرِّئم، والفرَس بالنعامة. وهذه المعاني تشَكّل لافتة تحذير للشاعر من إمكان التورط في السرقة قياسا بالسابقة، ولكن لا تعني وقوعَه فيها ضرورة قياسا باللاحقة.

-       دائرة المعاني المخترَعة: وهي أضيق الدوائر، وأقربها إلى محل السرقة، وأحراها بوقوع الشاعر في شَرَكها، ومظنّة تلبسه بها. لأنها معانٍ لا تتهيأ إلا للشاعر العبقري الذي أوتي دقةَ إحساس، ورقّةَ شاعرية لا تتحقق للكثير، وهو ما يمكنّه من اختراع المعاني اللطيفة التي لم يهتدِ إليها من سبقه. وهنا يضيق المجال أمام الشاعر اللاحق، الذي يريد أن يأخذ معنى من هذه المعاني، ويُعييه التحايل لإخفاء مأخذه. ومن أسماء هذه المعاني - إضافةً إلى المخترَعة - المعاني المبتدَعة، والمعاني العُقْم.

 ومن أبدعِ ما يُذكر من هذه المعاني قول عنترة بن شدّاد، يصف الذباب وقد خلا في روضة، يطِنّ ويحَكَّ ذراعه بذراعه، فأشبه رجلا ناقصَ اليد يحاول قَدْح النارَ من زندين:


وَخَلَا الذُّبَابُ بِهَا فَلَيسَ بِبَـارِحٍ ... غَرِدًا كَفِعْل الشَّاربِ المــُـــــــــــــــــــــــــترنّمِ
هَزِجـًا يَحُـكُّ ذِراعَهُ بــــــــــــــــــــــــــذِراعِـه .. قَدْحَ المــُكَبِّ على الزِّنَادِ الأَجْـذَمِ

فهذا المعنى من الطرافة، وحسن الاختراع بحيث يخرج عن الدائرتين السابقتين ويصبح (علامة مسجلة) لصاحبه، لذلك تحاماه الشعراء اللاحقون، ولم يجرؤوا على محاولة احتذائه، خشيةَ الوقوع في السرقة الموصوفة، مع شدة إغرائه لهم،  وإكبارهم لروعته، وغَبْطِهم صاحبَه عليه.

 

 

 

  

5. الانتحال

المفهوم

النُّحْل لغة "إعطاؤك الإنسانَ شيئا بلا استعاضة ..."[65] ، ومنه استخدم في المعنى الاصطلاحي، فقيل: نحله القولَ ينحله نحْلا: نسبه إليه. ونحلتُه القول أنحَله نحلا، بالفتح: إذا أضفتَ إليه قولا قاله غيره وادّعيتَه عليه ... ويقال: نُحِلَ الشاعر قصيدةً إذا نُسِبت إليه وهي من قِيل غيره[66] .

وبالنظر إلى هذه المسألة بوصفها قضية نقدية، وباعتبار مختلف أسبابها، يكون استخدام صيغتها المجردة، والمتعدية إلى مفعولين"النَّحْل"، أدق من استخدامها بالصيغة المزيدة، والمتعدية إلى مفعول به واحد " الانتحال"، التي يُفضل الإشارة إليها على أنها وجه من السرقة، ولقب من ألقابها كما مر آنفا.

ابن سلّام الجمحي وتأصيل البحث في القضية

ولئن كان محمد بن سلّام الجمحي (ت.232 ه ؟ ) قد استند في بحثه هذه الظاهرةَ إلى مشايخ له سبقوه زمنيا، لقد كان هو أول من بحثها بحثا علميا موسعا ومعمّقا، ومؤسسا على دراسة أسبابها المتنوعة، وخلفياتها التاريخية، حتى صار جديرا بأن تنسب إليه، وتربط به تاريخيا.

 لقد وضع ابن سلام  للقضية بعدها التنظيري المتكامل، فلم يستطع النقاد الذين تناولوها في العصر الحديث كالدكتور طه حسين أن يضيفوا إليها كبير شيء، إلا ما كان من تسميات واصطلاحات حديثة، بل إنها عند ابن سلام أنضج وأكثر اعتدالا وإحكاما، منها عند أولئك النقاد في غلوّها وإسقاطاتها الحداثية المفتئتة أحيانا، والجانحة إلى التصادم والتظاهرية أحيانا أخرى، وذلك ما حمل طه حسين على التراجع عن كثير من قناعاته فيها والتي طرحها في كتابه (في الشعر الجاهلي) تراجعا ظاهرا أو مضمرا، في كتب لاحقة ككتابه المعدّل عن السابق (في الأدب الجاهلي)، و(حديث الأربعاء)، وكان من أسباب نضجها وإحكامها عند ابن سلّام قرب عهدها من  الظاهرة المدروسة من جهة، وبراءتها من الأطروحات الاستشراقية المتعالية والمريبة من جهة أخرى .

والمعروف أن ابن سلّام طرح نظريته هذه في مستهل كتابه (طبقات فحول الشعراء) حيث يقول، مصرحا باقتناعه بوجود هذا الضرب من الشعر، وكثرته، ومبينا نقاط ضعفه، :"... وفي الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير لاخير فيه، ولا حجة في عربية، ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف ... "[67].

ثم يبين سبب تسرب هذا الدخَل، إلى جدول الشعر العربي، وتورّط بعض الرواة والعلماء في اعتماده، قائلا :"... وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء. وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة، ولا يروى عن صُحُفي"[68].

 فالسبب إذًا هو أن بعض الرواة لم يأخذوا الشعر من مظانّه ومصدره الأساسي ألا وهو البادية، ولم يرجعوا فيه إلى العلماء ليحققوه، بل اكتفوا باستكتابه من الصحف. ويختم كلامه بالإشارة إلى من يشكّلون المرجعية العلمية في ذلك، وهم العلماء وأصحاب الرواية الصحيحة، والحكم في ذلك لهؤلاء وحدهم، فلا يجوز لأحد تجاوُزهم، أو إغفال أمرهم في أمر خطير ودقيق كهذا.

هذا الشعر المدخول كان على حساب تراث شعري صحيح، ضاع في جملة ما ضاع من مخلفات العصر الجاهلي، الذي كان محوطا بالرعاية قبل الإسلام، ثم جاءالإسلام"... فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعو رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير..."[69]

 ويعضد ابن سلّام رأيه في ذهاب ذلك التراث بمقولة لأحد كبار الرواة والقرّاء الموثَّقين، هو أبو عمرو بن العلاء، الذي يروي عنه  يونس بن حبيب قوله :"ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير"[70].

ويسوق أدلة عملية، تثبت ذهاب كثير من الشعر القديم، منها " قلة ما بقي منه بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعَبيد، اللذين صح لهما قصائد بقدر عشر. وإن لم يكن لهما غيرهن، فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدِمة، وإن كان ما يروى من الغثاء لهما، فليس يستحقان مكانهما على أفواه الرواة. ونُرى أن

غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر. وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذاك فلما قل كلامهما، حُمل عليهما حَمْل كثير"[71].

فطرَفة بن العبد وعبيد بن الأبرص، لم يصحَّ لهما عند الرواة المحققين أكثر من عشر قصائد، وهذا دليل على سقوط كثير من شعرهما من ذاكرة الزمان، والحجة في ذلك مكانتهما من الشهرة والمنزلة الشعرية التي وضعا فيها، والتي من المستحيل أن يستحقاها إذا كان ما بقي من شعرهما هو كل نظماه حقيقة، فطرفة صاحب المعلقة الثانية، وعبيد صاحب المعلقة العاشرة إذا عُدّت عشرا ، وبناء على ذلك فلا بد أن لهما كمّا من الشعر استحقا به تلك المكانة، وقد ضاع بعضه.

وإذا كانت هذه المكانة هي الدليل على ضياع كثير من شعرهما الجيد، فهي الدليل على العكس، أي على زيف كثير مما يروى لهما من شعر غثّ، وذلك أن ثبوت نسبة هذا الشعر إليهما، تجعلهما غير جديرين بتلك المكانة. وهكذا يكون الشعر المروي لهما دليلا على ضياع كثير منه في جانبه الإيجابي، ودليلا على النحل والوضع في جانبه السلبي. وللدكتور حسن عبد الله شرف قراءة للنصوص السابقة، يجمل فيها الأسباب التي حملت ابن سلّام على قناعته بالنحل، ويجمع شتاتها في نقاط شاملة هي:

1. الأخذ بآراء شيوخه، والعلماء الموثوقين ممن سبقوه إلى ذلك في الإشارة إلى هذا الموضوع.

2. أثر الفتوحات ونشر الدعوة.

3. أثر العصبية في وضع الشعر.

4. دور الرواة في وضع الشعر.

5. إسقاط ما أضافه أبناء الشعراء إلى شعر آبائهم.

6. التشهير بالوضاعين من الرواة.

7. أثر شهرة الشاعر في حمل الشعر عليه.

8. إسقاط ما جاء في السيرة لمحمد بن إسحق[72].

والمعروف في تاريخ الأدب العربي أن حمادا الراوية (ت. 155ه) هو أحد أكبر المتهمين في هذه القضية، وللنقاد والعلماء القدامى أقوال تجرّحه تجريحا صريحا. من ذلك ما روي عن المفضَّل الضَبيّ (ت. 168 هـ) الذي قال "قد سُلّط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدًا. فقيل له: وكيف ذلك. أيخطىء في روايته أم يلحن ؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردّون من أخطأ إلى الصواب، لا ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يُشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويُحمَل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك !"[73].

وقد شاع عنه هذا الخلق عند الخلفاء العباسيين أنفسهم، فلم يمنعهم إكرامهم إياه، ووصله بالجوائز أن يراجعوه، ويواجهوه بالتهمة التي يُزَنُّ بها، ويقلّون عطاءه معاقبة ومجازاة. من ذلك ما حدث في مجلس الخليفة العباسي المهديّ وقد اجتمع فيه  جمع من العلماء بأيام العرب، وآدابها وأشعارها ولغاتها، فدُعيَ بالمفضل الضبي فدخل، فمكث مليّا ثم خرج ومعه حماد، وقد بان في وجه حمادٍ الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرورُ والنشاط، ثم خرج حسين الخادم، فقال يا معشر مَن حضر من أهل العلم: إن أمير المؤمنين يُعلمكم أنه قد وصل حمادًا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرا جيدا مُحدَثا فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل ..."[74].

بل وصل الأمر بالمهدي  إلى أن يستحلف حمادا بمغلَّظ الأيمان ليصدقنّه في هذه المسألة، ويُضيّقَ عليه حتى يدفعه دفعا إلى أن يعترف، ويقرّ على نفسه بالكذب والتزيد في الرواية. 

وكان من سبيل المهديّ في هذا أن يلجأ إلى المقارنة والموزانة بين ما يقوله حماد المجرّح والمتّهم، وما يقوله غيره من الرواة المعدَّلين والموثَّقين، مثل المفضل الضبي.  من ذلك أن المهدي قال  للمفضل – وقد انفرد به-  " ... إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:

دَعْ ذا وعَدّ القول في هَرِم[75]

ولم يتقدم له قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه ؟ فقال له المفضل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلا أني توهمته كان يفكر في قول يقوله، أو يُرَوِّي في أن يقول شعرًا فعدل محنه إلى مدح هرِم وقال دع ذا، أو كان مفكراً في شيء من شأنه فتركه وقال دع ذا، أي دع ما أنت فيه من الفكر وعَدّ القول في هرم، فأمسك عنه. ثم دعا بحمادٍ فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل، فقال ليس هكذا قال زهيرٌ يا أمير المؤمنين؛ قال فكيف قال؟ فأنشده:

لـِمَنِ الدِّيَارُ بقُنّة الحِجْــــــــــــــــرِ ؟     أَقْوَيْنَ مُذْ حِجج ومذ دهـــــــــــــــِر[76]

قفْر بمندفَع النحـــــــــــــائت من        ضَفَوى أولات الضّال والسِّدْر

دعْ ذا وعَدِّ القول في هَرِم        خيرِ الكهول وسيّدِ الحَضْـــــــــــــــــــر

قال: فأطرق المهدي ساعةً، ثم أقبل على حماد فقال له: قد بلغ أميرَ المؤمنين عنك خبرٌ لا بد من استحلافك عليه، ثم استحلفه بأيمان البيعة وكل يمين محرجة ليصدقنّه عن كل ما يسأله عنه، فحلف له بما توثق منه. قال له: اصدُقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زُهير، فأقرّ له حينئذ أنه قائلها، فأمر فيه وفي المفضل بما أمر به من شهرة أمرهما وكشفه[77].

هذه المواقف والمشاهد تثبت أن قضية الوضع في الشعر العربي القديم، والكذب في الرواية أصبحت هما حقيقيا، وشغلا شاغلا تجاوز الطبقة المثقفة إلى بلاط الحكم نفسه،  وأن الخلفاء لم يكونوا يبنون مواقفهم هذه من الرواة  إلا بعد اختبار تطبيقي يميزون به صدق رواة من كذبهم.

 

 

 

ومِثلُ حماد الرواية في هذا السلوك خَلَفٌ الأحمر (ت. 180ه ؟) قال الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: "لم يُرَ قَطّ أعلم بالشعر والشعراء من خلف الأحمر. وكان يعمل الشعر على ألسنة الفحول من القدماء فلا يُمَيَّز عن مقولهم ..."[78].

ويبدو أن بعض هؤلاء الوضّاعين لم يعدَموا صحوة ضمير، ينتفض فيَخِزُهم حين تهزه أخذة الموت، وتبلغ أنفسهم التراقي، ويُقنوا بفراق، كخلف هذا الذي  اعترف لعائديه وهو يحتضر بوضعه شعرا على لسان أبي أمامة العبدي مبديا ندمه، راجيا غفران الله عز وجل"[79].

وقد ترتّب على جناية هؤلاء الكذابين وتوبتهم واعترافاتهم المتأخرة موقف غريب من بعض الناس، يذكره خلف نفسه  فيقول:" أتيتُ الكوفة لأكتب عنهم الشعر، فبخلوا علي به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح، ثم مرضت فقلت لهم: ويلَكم! أنا تائب إلى الله تعالى، هذا الشعر لي، فلم يقبلوا مني، فبقي منسوبًا إلى العرب لهذا السبب"[80].

ولئن صدق هذا الوضّاع في مقولته تلك، لقد أقام الدليل على عظَم الجناية التي جناها هو أمثاله على الشعر العربي القديم، وعلى أذواق العوامّ التي أفسدوها، وحَرّفوها حتى استحْلَت الزيف، وقنعت بالتدليس مع العلم به.

وربما تجاوزت  قضية الانتحال، والوضعِ في الشعر العربي القديم السلوكَ الفردي المنحرف إلى كونها عملا مؤسسيا تخريبيا، وأمرا دُبّر بليل، مخطَّطا له بإحكام، يقصد به تخريب الموروث الشعري الذي يشكّل ركنا شديدا من أركان الثقافة العربية، وذلك بضرب أسسه، وتسريب موادِّ بناءٍ مغشوشة تُقام عليها أصوله، لتسهل بعدها خلخلة بنائه وتقويض تلك الثقافة الأصيلة. ومن ورائها، بالضرورة الثقافة الإسلامية التي مازجتها وارتبط حظها بها.

 وهو مخطط كانت تديره بخبث وحقد أيدي حركات ماكرة، تسيّرها أحقاد وتحدوها أطماع، على رأسها الحركات المتشبعة بالشعوبية والزندقة. وهو أمر ليس مستبعدا لما له من شواهد ونظائر في جبهات مشابهة، منها حركة الوضع في الحديث النبوي الشريف، ومحاولات تشويه كثير من علوم القرآن الكريم، والتي كان أكثر من تولى كبرها من الأعاجم. 

ولكن إذا كانت تلك القضية أمرا واقعا في تاريخ شعرنا القديم، ومسألة مطروقة في تاريخ نقده، من ورائها أساب قوية، ونفوس ضعيفة، وعوامل مختلفة قد يكون منها ما سلف، فليس ذلك مبررا للمبالغة فيه، والنفخ في رماده من جديد في عصرنا الحاضر، من أجل اتخاذه حجة للتشكيك في أصالة شعرنا وصحة رواية أكثره.

ومن باب أولى ليس ذلك مبررا كافيا ليصل إلى حد إنكار مراحل كاملة من تاريخ الشعر العربي، بطريقة تتجافى عن روح العلم، وتسلك صاحبها في زمرة أولئك الوضاعين المدلّسين أنفسِهم، بما أن الهدف واحد. ذلك أن علماءنا القدامى لم يتوانوا في التصدي لهذا الزيف، ووقفوا جهدَهم ووقتهم في غربلة المروي من الشعر، وتصفية مَعِينه وتبيين ما ألحق به من دس ونحل، واضعين لذلك معايير دقيقة من الجَرح والتعديل. وشروطا حاسمة لقبول المرويات سندا ومتنا.

يضاف إلى ذلك أن وجود ثلة من الرواة الكذابين لا ينفي حقيقة وجود كثير من الرواة الصادقين، والأمناء المرضيّين خُلُقا، والمتمكنين روايةً ودراية.   

 

 

 

6. المنظوم والمنثور

الشعر الموضوع القديم للنقد

أتى على النقد العربي حين من الدهر كان فيه الشعر هو مجاله الوحيد، أويكاد. وهذا أمر مفهوم، لكونه هو الثقافة الأدبية الغالبة في تلك الأحقاب التي كان يؤصل فيها أصوله، ويفرع فيها فروعه. ولما كان محتاجا إلى مدونة يجرب فيها آلياته، ويتخذ منها شواهده، ويضع أنماطه، لم يجد أوفر من الشعر الذي احتفظ العرب به تراثا ثقافيا نفيسا ضنوا به – أو بكثير منه – على عوادي النسيان، فالشعر ديوان العرب الذي ضُمّن ثقافتَهم، واستُحفظ أخبارَهم وأيامهم، وأُودع طَرفا من أنسابهم وعاداتهم، بل كان في أحيان كثيرة صورة بلادهم وأطلس جغرافيتهم.

 لذلك كان اهتمامهم بنقده امتدادا لاهتمامهم بنظمه وروايته وشرحه وتفسيره، وتوقيرا لرجاله وتخليدا لهم، وتبصيرا للناشئة بقيمته ومكامن جماله وتميزه، وحثا للأجيال اللاحقة على فقهه ووعيه، بما يوثق عرى التواصل الثقافي والروحي بينها وبين الأجيال السابقة.

وغلبة الشعر على ثقافة الأمم والشعوب، وهي في طور نشوئها وتدرجها نحو الحضارة، متأتّ من كون الشعر في بساطته وعفويته وتهويماته، وخوضه في كل واد، مناسبا  لحالها تلك.

 

 النثر وآليات نقد الشعر

لم يكن النثر  إذًا– والحال هي هذه – بقادر على أن يزاحم الشعر على الاهتمامات النقدية آنذاك، بما أنه كان شبه مغيّب عن المشهد الأدبي في المراحل الأولى من تاريخ الأدب العربي، وفي المرات القليلة التي كان بعض النقاد يلتفتون فيها إلى (غير الشعر) بملاحظاتهم النقدية، إنما كانوا يفعلون ذلك ناظرين إليه بمنظار الشعر، مزودين في ملاحظاتهم العابرة تلك بـ"شفرة الشعرية". ذلك لأن الفنون النثرية المتوفرة يومئذ كانت من الندرة، وقربها من روح الشعر في حالة تُضعف اسقلاليتها بأسلوبيتها الخاصة، وتجعلها تبعا في ذلك لأسلوبية الشعر، وهذا أمر يجد تفسيره في ما سبق من غلبة الشعر على الثقافة العربية الموروثة، والتي فرضت ذوقه على النقاد والعلماء.

مركزية الشعر هذه وأوليته كانت ماثلة في ذهن البحتري ووجدانه، وفي مُقايساته حين مدح الوزيرَ الكاتب محمد بن عبد الملك الزيات، فذهب يصف براعته في الكتابة، وتفننه في طرائقها وأساليبها، حتى صرف الناسَ عن فن عبد الحميد الكاتب، الذي بُدئت الكتابة به يقول:

لَتَفَنَّنْتَ    في     الكتابة     حتى     عَطّل  الناسُ  فنَّ   عبد   الحميدِ[81]

في  نظام  من  البلاغة  ما   شكـ       ـك   امرؤٌ    أنه    نظامُ    فريدِ

وبديعٍ    كأنه     الزهَرُ     الضا      حك  في  رَونق   الربيع   الجديد

مشرقٌ في جوانب السمع  ما  يُخْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلقه    عَودُه    على    المستعيد

ما  أُعيرت  منه  بطون   القراطيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــس وما  حُمّلتْ   ظهور   البريد

مستميلٌ  سمعَ  الطَّروب   المــُعنّى         عن    أغاني    مـُخارق وعقيــــــــد

حُججٌ    تُخرس     الألدَّ     بألفا     ظ   فرادى    كالجوهر    المعدود

ومَعانٍ   لو    فصلتها    القوافي       هَجّنتْ    شعر    جَرْول    ولَبيد

حُزْنَ   مستعمل   الكلام   اختيارا      وتجنَّبن       ظلمة        التعقيد

وركَبِنْ   اللفظ    القريب    فأدركـ      ـن   به   غاية    المراد    البعيــــــــــــــــد

كالعذارى غَدَوْنَ في  الحُلل  الصُّفْــــــــــــــــــــــــــــــر إذا  رُحْن  في  الخطوط  السُّودِ

فقد تهيأ للزيات – في نظر الشاعر- ما لم يتهيأ لكاتب قبله من فرادة وعبقرية، يظهر فيها نسيجَ وحده في سمو البلاغة، وحسن بديع لم تزدن به القراطيس من قبل، ولا تضمنته رسائل البلغاء، التي حملتها خيول البريد من فج إلى آخر، ومن أساليب حجاجية تُلقم الخصوم الحجر، في ألفاظ سلسة، بعيدة عن الحُوشي، تحمل معانيَ راقية، كان من الممكن أن تهجّن شعر الحطيئة ولبيد، وتنسي الناس ذكرهما. لكن، مع الأسف ! لو سلك بها هذا الكاتب (الناثر) طريق الشعر فنظمها، حتى تمكن مقارنتها بمعاني ذينك الفحلين.     

ذلك كله جعل (غير الشعراء) يشعرون بالحاجة إلى إيجاد محلّ من التميّز والذكر بين الناس ليس ببعيد عن محل الشعراء، فشرع بعضهم يميل بالجملة النثرية إلى العبارة الشعرية، وينزاح بالأداء اللغوي المنفعيّ المحايد إلى الصورة الأدبية المــُشْبَعة واللافتة إلى ذاتها، لعله يسترعي بها السمع ويلفت النظر. فليس في مجموع الأمثال والحِكَم والوصايا التي تداولها العرب ما يعطيها ملمحا نثريا قويا واضح المعالم، يفرقها عن الشعر أو الرجز إلا القالب العروضي، وحتى في هذه الحالة كثيرا ما تتضمن تلك الأشكال عبارات موزونة، سهّلت على الشعراء تضمينها في قصائدهم، وماعدا هذا ففيها كل لوزام الشعرية من بنية مجازية، وإيجاز، وتكثيف، وإيحاء، وبديع.

وصحيح أنه كان في تلك الفنون فنون تختلف تجنيسيا عن الشعر،كالخطابة القائمة على العنصر الإقناعي، ولكنها لم تكن من التنوع والعمق والكثرة بحيث تفرض على النقد تطوير أدواته لمعالجة النثر. وحتى في زمن متأخر عند ظهور فن المقامة في العصر العباسي، وهي فن سردي، ظل النقد ينظر إليها من خلال بلاغة الشعر، ولاشك  أن طبيعتها القائمة على الإلقائية والشفوية كانت سببا في ذلك، بما أنها موضوعة أصلا لإلقائها في جماعة من الناس، إضافة إلى موسيقاها الداخلية المشبعة بالسجع، وهو ما يجعلها بحق لونا نثريا يتوسل بلغة الشعر.

لقد ركّز النقد العربي القديم في حد الشعر على خصيصة الوزن والقافية، كما هو معلوم من جلّ التعريفات التي حاولت تقديم تصوّر له، سعيا منها إلى حدّه بما يتميّز به عن النثر، لذلك كان الهيكل الخارجي للشعر، وهو الوزن والقافية،"القاسم المشترك في هذه التعاريف، لأنّه العلامة الأولى التي تحدّد نقطة الافتراق بينهما"[82]، فصارت عبارة "الكلام الموزون المقفّى" العنوان الدّال على تلك المقولات مهما اختلفت صيغ التّعبير عنها.

رؤى تتجاوز الفوارق الشكلية

غير أن في الوعي الشعري والنقدي عند العرب القدماء، بوادرَ وآراء تكشف عن فهم أكثر عمقا وتقدما لشعرية الشعر، يرتقي بعضها إلى حسان بن ثابت الذي يروى أن ابنه عبد الرحمن "... لسعه زنبور فجاء أباه يبكي، فقال له :

مالك ؟ فقال: لسعني طائر كأنه ملتف في بُردَي حِبَرَة. قال: قلتَ والله الشعر"[83].

فهذا الخبر يدل على أن الشعرية عند المتقدمين من شعراء العرب أنفسهم، إنما كانت تعني فرادة التعبير، المتجسدة هنا في جمالية التصوير تخصيصا، إذ ليس في عبارة عبد الرحمن من مقومات اللغة الشعرية، وعناصرها المعقدة والمتعددة إلا الصورة الفنية القائمة علي التشبيه. على أن التصوير أخيرا هو الركن الشديد الذي تتأسس عليه تلك اللغة، وهو أول ما يرد الذهنَ عند إرادة الحديث عنها. وإذًا أدرك الشاعر العربي القديم أن "التجربة الشعرية في أساسها تجربة لغة، فالشعر هو الاستخدام الفني للطاقات الحسية والعقلية والنفسية والصوتية للغة. ولغة الشعر هي الوجود الشعري الذي يتحقق في اللغة انفعالا وصوتا موسيقيا وفكرا... "[84].

وإذا كان حسّان قد رفع عبارة غير موزونة ولا مقفاة إلى مرتبة التعبير الشعري، لما اشتملت عليه من تصوير وموسيقى داخلية، فقد رأينا  عبد الملك بن مروان في العصر  الأموي، يغضّ من بيتي الراعي ويصُفّهما في خانة العبارة النثرية التقريرية، مع أنهما شعر موزون مقفى، وذلك لافتقارهما إلى جمالية الشعرية وتصويرها. ومثلَه  فعَل الشاعر مروان بن يحيى أبي الجُنوب في العصر العباسي حين سمع بيتا لابن الجهم أقرب إلى الأذان منه إلى الشعر.

كما أنه ما من شكّ في أنّ بعض النّقّاد والمفكّرين، والفلاسفة العرب والمسلمين القدماء، لم يطمئنّوا إلى تلك الثنائية التي يُحدّ بها الشّعر، أي الوزن والقافية. فأضافوا إليهما ضميمات أخرى، تدلّ دلالة واضحة على المحاولات الماضية قُدُما في تعميق الوعي بالشعر، وما يتّصل به من بواعث وخصائص.

فمن الذين عُنُوا بتوسيع مجال الرؤية النّقدية في تعريف الشّعر، وتحريرها من ضيق الوزن والقافية ابن رشيق القيرواني (ت.456 هـ)، الذي نبّه على عدم كفاية الوزن والقافية لاستحقاق صفة الشّاعر، "... فإذا لم يكن عند الشّاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ أو ابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص ممّا أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر، كان اسم الشّاعر عليه مجازا لا حقيقة، ولم يكن له إلاّ فضل الوزن، وليس بفضل عندي مع التّقصير"[85].

كما أضاف الشريف الجرجاني (ت. 816 هـ) عنصر القصد في حدّه للشعر حين حدّه بأنه "كلام مقفّى موزون على سبيل القصد"[86]، ويعني به النيّة والانصراف القلبي إلى نظم الشّعر، مشيرا بذلك إلى المعاناة التي يُقصَى – بانعدامها - الكلام الذي اتّفق له الوزن والقافية صدفة، ويخرج من دائرة الشّعر، كمنظومات بعض العلوم والفنون، التي يُقصد بها تسهيل حفظ القواعد، إذ بيّن أنّ القصد قيد يُخرِج نحو قوله تعالى :﴿الذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ[ [الشرح، الآية: 43]، فإيقاع الآيتين يلتقي مع بحر مجزوء الرمل، إلاّ أنّهما كلام خارج عن حدّ الشّعر لانعدام القصد[87].

وتزداد هذه الرؤية نموّا وعمقا مع ابن خلدون (ت. 808 هـ)، الذي تفطّن إلى بُعد آخر لا يمكن إغفاله عند الحديث عن طبيعة الشّعر، ذلك هو عنصر التأثير في المتلقّي، عند ما عرّف الشّعر بأنّه "الكلام البليغ المبنيّ على الاستعارة والأوصاف، المفصّل بأجزاء متّفقة في الوزن والروي، مستقلّ كلّ جزء منها في غرضه ومقصده عمّا قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به"[88].والمقصود بقوله " البليغ" المؤثّر في النّفوس، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى: ]فَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾  [النساء، الآية: 62].

 هذا إلى جانب ما أثرى به تعريفه من قيام الشعر أساسا على الخيال المفهوم من عبارة  "الاستعارة والأوصاف"، والوظيفة التأثيرية في الشعر تَبرز بوضوح أيضا عند الجرجاني، وهو يورد مفهومَ الشّعر عند المناطقة، فيبيّن أنّه "قياس مؤلَّف من المخيَّلات، والغرض منه انفعال النّفس بالترغيب والتنفير "[89].

ومع تقادم مقولة ابن خلدون فهي لا تَعدَم مقاربة مع ما يراه بعض كبار النّقّاد العرب في العصر الحديث، مثل طه حسين الذي يرى أنّ الشّعر هو "الكلام المقيّد بالوزن والقافية، والذي يُقصد به الجمال الفنّي"[90]، وأحمد الشايب في قوله :"هو الكلام الموزون المقفّى الذي يصوّر العاطفة، وتصوير العاطفة يقتضي التأثير العاطفي في الغير بنفس الدرجة، فإذا خلا الكلام الموزون المقفّى من هذا التأثير كان نظما، وإذا وُجد التأثير ولم تُوجد الصورة الموسيقية المؤلّفة من الوزن والقافية كان نثرا أدبيا"[91].

ولا يخفى من كلام ابن خلدون والجرجاني ما في النظرية العربية القديمة من تطلّع إلى المتلقّي، أحد طرفي عناصر الحدث الاتّصالي المعروف عند جاكوبسون، الذي فصّل به هيكل ذلك الحدث القائم على مرسل ومستقبل، هما طرفا الاتّصال، وبينهما رسالة، لها سياق، ووسيلة انتقال، وتحكمها شفرة معيّنة تجعل الرسالة في متناول الإدراك[92].

بين شعرية الشعر ونثرية النثر

كل ما سبق من مواقف بعض الشعراء، وحدود بعض النقاد، له دلالته المهمة في إثبات ما وصلت إليه المدارك في تراثنا النقدي والبلاغي، من تصور ناضج لشعرية الشعر، غير أنه في الوقت نفسه لا يتضمن انتباها  إلى نثرية النثر، ولا بحثا في مميزاته الفنية. إذ ظلت النظرة إلى ما ظهر أو ازدهر من فنونه القليلة في بدايات العصر العباسي، محفوفة ببلاغة الشعر وأسلوبيته كما سبقت الإشارة.

وكان مقدرا أن هذه النظرة ستتغير مع ظهور فطاحل النثر الفني في صدر العصر العباسي، كعبد الله بن المقفع (ت. 142 ه) الذي ترك من المصنفات ما قلب ظهرا لبطن كثيرا من مقررات البلاغة العربية القديمة، التي نُظر إليها على أنها دعائم تقوم عليها تلك البلاغة، وعلى رأس تلك الدعائم الإيجاز، الذي كان من قوة الحضور فيها، بحيث لم يكن كثير من بلغاء العرب يجدون حرجا في حد البلاغة به. فقد  توارى الإيجاز في كثير مما كتب ابن المقفع وحل الإطناب محله.

ولكن يبدو أن تحول الإنتاج النثري لهؤلاء الأعلام إلى موجّه جديد، أو إضافي للوعي النقدي والتنظيري لدى النقاد العرب القدماء، كان مسألة تتطلب وقتا طويلا للتغلب على الوعي النقدي القديم، الذي استحوذ عليه الإنتاج الشعري العريق، ووجّهه وجهته الشعرية.

 وفعلا فقد بدأ ذلك يترسخ في الأزمنة المتأخرة من العصر العباسي يوم أخذت الدولة العباسية تترنح، وانفراط عقدها يزداد، ومع تطور فنون الكتابة وتعقد أساليبها، وتشجيع الأمراء والحكام للكتّاب، ومع تدهور الشعر، وبدء دخوله في سراديب عصور الضعف، وتمكن الأعاجم من حكم البلاد العربية، وهم أبعد ما يكونون عن تذوق الشعر العربي عادة، وظهور عمالقة الكُتّاب والمنشئين المبرزين من أمثال ضياء الدين بن الأثير (ت. 637 هـ). وإن منهم لمن ترك موسوعات استنفد بعضُها مجلدات عديدة، وتعمقت في مختلف قضايا الكتابة والإنشاء النوعية والخُلقية والتقنية، مثل موسوعة صبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندي (ت.821 هـ ).

وقد بلغ من قوة شخصية أولئك الأعلام، وإيمانهم بقيمة فنهم ألّا يجد أحدهم حرجا في التصريح بتفضيل الكتابة على الشعر، كالقلقشندي الذي عقد فصلا  كاملا من موسوعته لهذا الغرض، وقد شفع حكمه ذلك بموازنة بين الفنين تدل فعلا على نضج النظرة الفارقة بين الشعرية والنثرية في ذلك العهد.

فكان أن بدأ أولا بذكر فضيلة الشعر الفكرية والثقافية والتاريخية،  وبيان ما له من ميزات أسلوبية، وهي التي تعنينا في هذا المجال، وقد ذكر منها  "... تفرده باعتدال أقسامه وتوازن أجزائه وتساوي قوافي قصائده مما لا يوجد في غيره من سائر أنواع الكلام مع طول بقائه على ممر الدهور وتعاقب الأزمان وتداوله على ألسنة الرواة وأفواه النقلة لتمكن القوة الحافظة منه بارتباط أجزائه وتعلق بعضها ببعض ... وقبوله لما يرد عليه من الألحان المطربة المؤثرة في النفوس اللطيفة والطباع الرقيقة ...إلى غير ذلك من الفضائل الجمة والمفاخر الضخمة ..."[93].

فهو استعراض شامل لأهم خصائص الشعر الأسلوبية : من اعتدال في الأقسام، وتوازن وتوازٍ في الأجزاء، واشتمال على موسيقى البحر والقافية المؤثرة في النفس، والمسترعية للأذن، وما يضمنه ذلك له من سيرورة وانتشار وشعبية.

وبعد ذلك يستعرض مميزات النثر الأسلوبية وفضائله، في مقابلة بالشعر، فيرى أن النثر "... أرفع منه درجة وأعلى رتبة وأشرف مقاما وأحسن نظاما إذ الشعر محصور في وزن وقافية يحتاج الشاعر معها إلى زيادة الألفاظ والتقديم فيها والتأخير وقصر الممدود ومد المقصور وصرف ما لا ينصرف ومنع ما ينصرف من الصرف واستعمال الكلمة المرفوضة وتبديل اللفظة الفصيحة بغيرها وغير ذلك مما تُلجىء إليه ضرورة الشعر فتكون معانيه تابعة لألفاظه والكلام المنثور لا يحتاج فيه إلى شيء من ذلك فتكون ألفاظه تابعة لمعانيه ويؤيد ذلك أنك إذا اعتبرت ما نقل من معاني النثر إلى النظم وجدته قد انحطت رتبته ... "[94].

ففي النثر هنا كل ما يقابل الشعر من خصائص، يمكن تلخيصها في السعة التي يجدها الكاتب في صناعته دون الشاعر. وتحرره من الضرورات والإكراهات التي تحمل الشاعرَ عليها مراعاتُه للوزن والقافية، فتضعه في مآزق ومضايق يضطر معها إلى إتْباع معانيه لألفاظه.

وبعيدا عن هذه المفاضلة التي تراها الرؤى النقدية الناضجة مجانية غير مبررة، على اعتبار أن لكلا الفنين مجاله، ومزياه، فإن نص القلقشندي ذو أهمية بالغة، لما يكشفه من تصور بعض النقاد القدماء للفوارق الأسلوبية بين الشعر والنثر، وبالتالي الإقرار بحق كل واحد منهما في الوجود والاستمرار، وهو ما بدأت النظريات النقدية المعاصرة تنادي به[95] ، بعد طول مناداة بتداخل الأجناس الأدبية، وزوال الحدود الفارقة بينهما، لصالح ما يطلق عليه "الكتابة".

وكجرأة القلقشندي في التصريح بتفضيل النثر على الشعر، وربما أكثر، يحاول ضياء الدين بن الأثير الاستفادة من أسلوبية النثر ونقلها إلى أسلوبية الشعر، عندما يتوجّه إلى المناقشة والمجادلة في بعض القضايا الشعرية، ويحاول أن يصل فيها إلى رأي جديد وجريء، يخالف به النقاد والبلاغيين السابقين على عادته.

فحين تطرق إلى مسألة التضمين في الشعر، والتي استقر غالب النقاد والعروضيين على اعتبارها عيبا من أشد عيوب الشعر، أظهر معارضته لهم في ثبات وإصرار وتحدّ، ذاهبا إلى أن ذلك ليس بعيب، مستدلا بالنثر، ومشبّها الأبياتَ في الشعر بالفِقر في النثر، فكما لا يعاب الربط الظاهر بين فقرات النص النثري بل هو المطلوب، فكذلك لا تثريب على الشاعر في ربط أبيات قصيدته، لاحقها بسابقها، يقول:"... إن كان سبب عيبه أن يعلّق البيت الأوّل على الثاني فليس ذلك بسبب يوجب عيبا، إذ لا فرق بين البيتين من الشّعر في تعلّق أحدهما بالآخر؛ وبين الفقرتين من الكلام المنثور في تعلّق إحداهما بالأخرى؛ لأنّ الشعر هو كلّ لفظ موزون مقفّى دلّ على معنًى، والكلام المسجوع هو: كلّ لفظ مقفّى دلّ على معنى، فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير"[96]. وهي نظرة نقدية تقدمية لافتة من ابن الأثير، ومضادة للنظرة التقليدية، في النظر إلى نقد النثر من خلال ثقب باب الشعر، كما كان الأمر في بداية العصر العباسي.

بل لقد فطن ابن الأثير لفوراق أسلوبية وبنيوية، بين بعض الفنون النثرية نفسها، كالمقامة و الإنشاء، فحين استدعي الحريري صاحب المقامات إلى بغداد واطلع الناس على مقاماته قيل :"... هذا يستصلح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة، ويحسن أثره فيه، فأُحضر، وكُلّف كتابة َكتاب، فأفحم، ولم يجرِ لسانه في طويلة ولا قصيرة... "[97]. حتى شك بعض الناس في صحة نسبة المقامات إليه وظنوه انتحلها.

غير أن ابن الأثير يزيل هذه الظِّنة عن الحريري، ويبرر هذا العجز أسلوبيا "... لأن المقامات مدراها جميعها على حكاية تخرج إلى مخلص. وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له؛ لأن المعاني تتجدد فيها بتجدد حوادث الأيام، وهي متجددة على عدد الأنفاس..."[98].

 يتبيّن مما مضى أن مشكل المنظوم والمنثور في النقد العربي القديم لا يكمن في شكلانية تفريقه بينهما، والاجتزاء بالنظرة السطحية الموجهة إلى القالب الذي يقوم على توفر الوزن والقافية في الأول، وخلوّ الثاني منهما، بل يظهر أكثر في ضعف ملامح المبذول من المنثور، وقلة أنواعه، وعدم توضح أسلوبيته، لاسيما في الأعصر الأولى من العصر العباسي، فكان لا بد من انتظار بدايات تقلب النقد العربي في مدارج العصور الحديثة، حتى تتحقق للنثر كينونته، بتخمر فنون الكتابة التي أنتجت في أواخر ذلك العصر من جهة، وبفعل التثاقف مع الوافد الأجنبي الذي كان أعمق تأثيرا في النثر العربي ونقده، من جهة أخرى.

 

ثانيا- مفاهيم في النقد العربي القديم

كان لقضايا النقد العربي القديم – ما ذُكر منها سابقا وما لم يذكر – علاقة تفاعلية متبادلة مع بعض المفاهيم المهمة، وتأثير واضح في الاتجاهين، فمن تلك  المفاهيم ما كان منطلقات لقضايا نقدية، شكّلت عمليا امتدادا وترجمة جدلية لها، أواستخداما قَضَويا  لمؤدَّياتها، ومن القضايا ما كان مولّدا لمفاهيم وقناعات، كانت محصَّلة للتأمل في إحدى القضايا أو أكثر، كمفهوم عمود الشعر، الذي نجم عن النظر في شعر القدماء وشعر المحدثين، والخلاف حول الفريقين، والنظر في فنهما نظرا مقارنا، وعن محاولة رسم الحدود والفوارق بينهما. وكان من جملة هذه المفاهيم:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. الطبقات

ابن سلام والتصنيف الطبقي في النقد

لا شك أن تصنيف الشعراء في طبقات عملية نقدية محضة، فوضع الشاعر في نسق تراتبي عملية مترتبة أساسا على نظرة  قيمية لمجمل عمله. والقيمة هي العمود الفقري لكل عملية نقدية ضمنا أو صراحة، وذلك لا يكون إلا بعد تحكيم المصنِّف جملةً من المعايير والقيم، يبني عملية التصنيف في ضوءها. بصرف النظر عن مدى صحة تلك المعايير، وكونها مطلقة أو نسبية.

وقد كان ابن سلّام الجمحي أول من استخدم هذا المصطلح في مجال النقد الأدبي، أو على الأقل هو أول من وصل إلينا مصنَّف كامل له، يحمل عنوانه هذا اللفظ في صدره وهو كتاب (طبقات فحول الشعراء). كما أن لابن المعتز (ت.296 ه) كتابه المعنون بـ(طبقات الشعراء).

وكما أن كتاب ابن سلام هو الأسبق، فهو الأكبر والأحفل بالقضايا النقدية، والأحكم منهجا، والأوضح من حيث المقاييس المعتمدة، حيث ذكر صاحبه صراحة منهجه ومعاييره في تصنيفه الطبقي للشعراء، واللافت للنظر المقاييس المتنوعة التي اعتمدها في توزيع الشعراء في الطبقات، فهناك المقياس العام، الذي لا بد منه لكي يجد الشاعر مكانه إلى الكتاب أصلا، ألا وهو الفحولة، فلا مكان لأي شاعر في الكتاب ما لم يكن فحلا.

 وقد كان هذا أحد الأسباب التي برر بها محقق الكتاب، محمود محمد شاكر إثباته لفظ "فحول" في تسمية الكتاب، خلافا لما يعرفه أكثر الناس من أن عنوانه إنما هو (كتاب الطبقات)، أو ( كتاب طبقات الشعراء)[99].

مقاييس

أشار الدكتور حسن عبد الله شرف[100] إلى مقاييس واضحة، اعتمدها ابن سلام وهو يصنف الشعراء في طبقات، ويمكن تفصيلها في ثلاثة مقاييس داخلية، أي مرتبطة بشعر الشاعر نفسه، وهي:

1. كثرة الإنتاج الشعري.

2. الإجادة.

3. التنوع الغرضي: أي تصرف الشاعر في النظم في أغراض الشعر المعروفة آنذاك، من غزل ورثاء ومدح وغير ذلك.

ومقاييس خارجية، تتعلق بقيمة شعره عند العلماء، وآراء النقاد فيه، واحتجاج أهل العلم بشعره[101].

 

أما الأوجه التي بنى عليه المصنّف مفهومه للطبقة، ومناط جمع الشعراء فيها تبعا لذلك، فيوضحه نص الدكتور عيسى علي العاكوب الذي جاء فيه "...ويبدو أن ابن سلام أراد بـ "الطبقة" جماعة من الشعراء تشابهت في أمر من الأمور. ويُفهم من القرائن أن التشابه الذي جُعل أساسا للتأليف بين أفراد الطبقة الواحدة، قد يكون تشابها في المذهب الشعري، أي طريقة النظْم، وإلى هذا يذهب الدكتور محمود محمد شاكر، ذلك أن عَشر الطبقات تعني عشرة ضروب أو مناهج قول. وقد يكون تشابها في تجويد النظم وإتقانه، وتعني الطبقة هنا  (المنزلة) أو (المرتبة) . وقد يكون تشابها في الغرض الشعري، فيكون لشعراء الغرض الواحد طبقة، كما في طبقة (أصحاب المراثي). وقد يتمثل التشابه في الانتماء إلى مدينة واحدة, أو جنس واحد، ومن ثم كان عند ابن سلام: طبقة شعراء القرى العربية، وطبقة شعراء اليهود. وقد يكون تشابها في غير هذه "[102].

وإذًا أساس تجميع الشعراء في الطبقة الواحدة هو التشابه، والتلاقي في أمر موحد، وهو أمر منطقي في مجال الشعر أو الحديث أو غير ذلك. غير أن اللافت أن هذه الأسس عند ابن سلّام متنوعة وثرية، فمنها ما هو بيئي، ومنها ما هو ثقافي ديني (شعراء يهود)، ولعل أهمها جميعا، وأشكلها بالشعر ونقده المقياس الفني، الذي أقام عليه اختيار طبقة شعراء المراثي.

2. الفحولة

بين الطبقة والفحولة

ترتبط الفحولة في النقد العربي القديم بالطبقة تراثيا ونقديا، تراثيا لارتباطهما في تسمية الكتاب الرائد لابن سلّام الجمحي (طبقات فحول الشعراء)، ونقديا لأن الطبقية تراتبية، لا مناص أن يكون على رأسها الفحول من الشعراء.

وفي ربط واضح بين الطبقة والفحولة، يرِد نص الجاحظ الذي يقول فيه:"والشعراء عندهم أربع طبقات. فأولهم: الفحل الخنذيذ، والخنذيذ هو التام. قال الأصمعي: قال رؤبة "الفحولة هم الرواة"، ودون الفحلِ الخنذيذِ الشاعرُ المـُفلِق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشُّعْرور ..."[103].

والفحل في اللغة الذَكَر من كل حيوان وجمعه أفحُل وفحول وفحولة وفِحال وفِحالة...[104]. ولما كانت الذكورة ملازمة عادةً للغلبة، أطلقت الفحولة على الشعراء الذين غلبوا غيرهم بالهجاء.. فـ "... فحول الشعراء هم الذين غلبوا بالهجاء من هاجاهم ...  وكذلك كل من عارض شاعرا فغلب عليه ..."[105]. وللأصمعي عبد الملك بن قُريب (ت.213 ه) كتاب (فحولة الشعراء) الذي هو من أول الكتب التي يحمل عنوانها هذا اللفظ بالمعنى الاصطلاحي.

ومن البيّن أن الفحولة كما تدل على الذكورة، تدل على النضج والإدراك، فلا يكون الذكر من الإبل مثلا فحلا، حتى يبلغ السن التي تجعله مهيأ لإخصاب الناقة. لذلك قارن الأصمعي بين الفحل والحِقاق، حين سئل عن معنى الفحل من الشعراء فأجاب بأنه ما "... له مزيّة على غيره كمزية الفحل على الحقاق ..."[106]، والحِقّ من الإبل ما طعن في السن الرابعة.

الإكثار أهم مستلزمات الفحولة

ولما كانت الكثرة من مقومات القوة وأسباب الغلبة، وكانت الفحولة في  الذكر من الحيوان ملازمة للإخصاب، كان المطلوب من الشاعر الفحل كثرة الإنتاج، لذلك حرم الأصمعي معقِّرا البارقي الفحولةَ لكونه مُقِلّا وقال :"... لو أتمّ خمسا أو ستا لكان فحلا"[107]. وأوس بن مغراء الهُجَيمي الذي "... لو كان قال عشرين قصيدة لَحِق بالفحول، ولكنه قُطع به"[108].

ومقولة الأصمعي السابقة وردت في نص له من كتابه (فحولة الشعراء) المذكور سابقا، يصنف فيه الشعراء حسب الفحولة وعدمها، في عرض يتخذ طابع السؤال والجواب، السائل فيه التلميذ أبو حاتم السجستاني، والمجيب الأستاذ الأصمعي، بحيث يذكر التلميذ اسم شاعر من الجاهليين أو الإسلاميين، طالبا  بيان حظه من الفحولة، فيجيب الأستاذ إجابة خاطفة مركزة، بطريقة الإجابة الوامضة (الفلاش) المعهودة في أسلوب ضيوف البرامج التلفزيونية، وأحيانا في لياقتهم ومجاملتهم، وحسن تخلصهم من حرج الحسم بالحكم، مثل قوله في حاتم الطائي وقد سئل عنه، "إنه يُعدّ بكرم ولم يقل إنه فحل "[109]. وفي التردد باستخدام عبارات الشك، كما في قوله عند سؤاله عن كعب بن جُعيل :" أظنه من الفحول ولا أستيقنه"[110]. على أن عبارات المجاملة والتردد لا تكاد تشكل كبير نسبة أمام الحسم بالحكم، وصيغه الجازمة.

وفي قراءة تأصيلية ووصفية لنص الأصمعي في الفحولة، يقول الدكتور إحسان عباس :" يعود بنا هذا المصطلح إلى طريقة الخليل بن أحمد في انتخاب الألفاظ الدالة على الشعر من طبيعة الحياة البدوية، فالفحل جملا كان أو فرسا، يتميز بما يناقض صفة "اللين" التي يكرهها الأصمعي في الشاعر، وبالفحولة يتفوق على ما عداه ... لهذا انقسم الشعراء لدى الأصمعي في فئتين: فحول وغير فحول..."[111].

وفي تحليل لمعناها وما تتطلبه من صفات يقول: " يتجلى لنا في هذا النص أن الفحولة صفة عزيزة، تعني التفرد الذي يتطلب:

(أ) غلبة الشعر على كل صفات أخرى في المرء، فرجل مثل حاتم قد يقول قصائد ولكنه يعد في الأجواد ولا يسمى فحلا لأن الشعر لا يغلب عليه؛ وكذلك أشباه زيد الخيل وعنترة، فإنهم فرسان يقولون شعرا، وحسب.

(ب) وأن غلبة صفة الشعر تستدعي عددا معينا من القصائد التي تكفل لصاحبها التفرد، فالقصيدة الواحدة كما هي مرثية كعب بن سعد الغنوي لا تجعل من صاحبها فحلا. ويتفاوت هذا العدد، على قاعدة لا ندريها، فهو خمس قصائد أو ست أو عشرون"[112].

سبق في نص الجاحظ روايته مقولة لرؤبة بن العجاج حكاية عن الأصمعي، يجعل فيه الفحولة صفة للرواة، وهو ما يشترطه ابن رشيق للشاعر إذا طلب الفحولة في الصناعة الشعرية، فتلك مرتبة يجب أن تُمهر أول ما تمهر برواية أشعار العرب، إلى جانب مطالب أخرى تلحق بها من بعد، يقول :"لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلا حتى يروي أشعار العرب ويسمع الأخبار ويعرف المعاني وتدور في مسامعه الألفاظ ..."[113].

 

3.عمود الشعر

المفهوم والمنطلقات

عمود الشعر هو النتيجة المباشرة الناجمة عن ظهور موجة الشعر المحدث، وبدء الخلاف حول ديباجته المغايرة لبلاغة الشعر القديم، لذلك فهو قرين قضية (القدماء والمحدثين)، وجاء نتيجة لمتابعة عميقة ومفصلة ودراسة شاملة لشعر القدماء، واستكناه لطريقتهم الشعرية في نظم القصيدة على جميع المستويات : اللفظية، والمعنوية، والتصويرية، والموسيقية.

لذلك يمكن تلخيص مفهوم عمود الشعر في كونه التقاليد الفنية والشعرية الموروثة عن الشعراء الفحول والقدماء عموما. وقد وجد صيغة تصوره النهائية على يد أبي علي المرزوقي (ت.421 هـ) بعد أن مهد له سبيله نقاد سابقون، على رأسهم أبو القاسم الآمديّ  (ت 370) الذي هو أوّل من أتى بهذا المصطلح، ثم القاضي الجرجاني 392 هـ) الذي تمثّلَ طرحَ الآمدي، وتقدم بمفهوم عمود الشعر خطووة أخرى[114].

وضّح المرزوقي مفهوم عمود الشعر، وفصّل فيه في مقدمة شرحه لحماسة أبي تمام بقوله :"... فالواجب أن يُتبيّن ما هو عمود الشعر المعروفُ عند العرب، ليتميز تليد الصنعة من الطريف، وقديم نظام القريض من الحديث، ولتعرف مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه، ومراسم إقدام المزيِّفين على ما زيفوه، ويُعلم أيضا فرق ما بين المصنوع والمطبوع، وفضيلة الأَتِيِّ السمح على الأبيّ الصعب..."[115].

 

فهو قبل بيان مفهومه يذكر علة وضع هذا المفهوم، وتلك العلة هي وضع حد فاصل بين قديم الصنعة الشعرية ومحدَثها، فيكون عمود الشعر المحتكَم الفني في ذلك. وبعد هذا طفق يفصل عناصره أو أبوابه بقوله :"إنهم كانو يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف – ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال، وشوارد الأبيات – والمقاربةَ في التشيبه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه والمستعار له، ومشاكله اللفظ للمعنى، وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما، فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار "[116].

ويلاحظ أن هذه العناصر أو الأبواب السبعة شاملة لأهم مداخل العملية الإبداعية في الصناعة الشعرية، ويمكن تجميعها في خمسة جوانب:

-       جانب المعاني: وشرطه شرف المعنى وصحته. وليس المقصود بشرف المعنى رقيّه في السلم الخلقي كما قد يدل عليه ظاهر المعنى، ولا اختصاصَ معناه بطبقة الخاصة كما يجنح إلى ذلك الكلاسيون، وإنما هو مدى ما يتحقق في المعنى من إصابة الدلالة المقصودة، وملائمة المقام، وهو ما بيّنه بشر بن المعتمر في صحيفته المشهورة التي يقول فيها :"والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة. وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مَقام من المقال. وكذلك اللفظ العاميّ والخاصيّ"[117].

-       جانب اللفظ: وشرطه الجزالة والاستقامة. والجَزْل، لغةً صفة لـ "الحطب اليابس، وقيل الغليظ ... ورجل جزْل الرأي وامرأة جزْلة بينة الجزالة: جيدة الرأي ..."[118]، أما اصطلاحا فهو عند ثعلب ما كان بينَ بينَ، ليس بالبدوي المغرق في البداوة، ولا العامي المتردي في أدنى دركات العامية، يقول:"فأما جزالة اللفظ فما لم يكن بالمـُغرِب البدوي، ولا السفساف العامي، ولكن ما اشتدّ أَسْره، وسهل لفظه، ونأى واستصعب على غير المطبوعين مرامُه، وتُوُهِّم إمكانُه"[119]. وكون اللفظ مستصعبا على غير المطبوعين، مع طمعهم في القدرة عليه هو ما يُعبَّر عنه بالسهل الممتنع.

وقريب من ذلك معنى الجزالة عند أبي هلال العسكري، يقول : " أما الجزل والمختار من الكلام فهو الذي تعرفه العامّة إذا سمعته، ولا تستعمله في محاوراتها"[120]. ومن أجل ذلك لا يرى تناقضا بين الجزالة والسهولة، إذ يجمع بينهما في قوله:"وأجود الكلام ما يكون جزلا سهلا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدوداً مستكرها، ومتوعّرا متقعّرا، ويكون بريئا من الغثاثة، عاريا من الرّثاثة.والكلام إذا كان لفظه غثّا، ومعرضه رثّا كان مردودا، ولو احتوى على أجلّ معنى وأنبله، وأرفعه وأفضله ..."[121].

بخلاف مفهومها عند أبي فرج الأصفهاني، الذي يبدو أنه يرى الجزل ما أحاطت به صلابة البداوة، مقابلا للرقة، ويستنتج ذلك من حديثه عن أبي شُراعة، وشعره الذي وصفه بأنه  :"جيد الشعر جزله، ليس برقيق الطبع، ولا سهل اللفظ، وهو كالبدوي الشعر في مذهبه.."[122].

أما الجاحظ فيجعله في مقابل السخيف، يقول:"وكلامُ النّاس في طبقاتٍ كما أنّ الناسَ أنفسَهم في طبقات، فمن الكلام الجَزلُ والسَّخيف، والمليحُ والحسن، والقبيح والسَّمجُ، والخفيفُ والثقيل وكلُّه عربيّ، وبكُلٍّ قد تكلَّموا، وبكلٍّ قد تَمَادَحوا وتعايبوا..."[123].

أما ابن الأثير فله رأي لافت، يفرّق فيه بين اللفظ الجزل واللفظ الرقيق، وبين موطني استخدامهما، يقول:"الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن استعماله فيه. فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، وأشباه ذلك. وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك"[124].

ويزيد تصوره  للمعنيين توضيحا بعبارة تمثيلية يقول فيها :" الألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد، وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهن غلائل مصبغات وقد تحلين بأصناف الحلي..."[125].

ويخالف ما ذهب إليه الأصفهاني في ربط الجزالة بالبداوة قائلا :"ولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيا متوعرا عليه عنجهية البداوة، بل أعني بالجزل أن يكون متينا على عذوبته في الفم ولذاذته في السمع ..."[126].

كما أنه لا يعني باللفظ الرقيق ما "... يكون ركيكا سَفْسَفا، وإنما هو اللطيف الرقيق الحاشية الناعم الملمس..."[127].

مما سبق يتبين أن مفهوم الجزالة عند بعض النقاد والبلاغيين القدماء، يتبين  بالتفريق بينه وبين مفهوم السخف، كما عند الجاحظ، وعندئذ تكون الجزالة قيمة فنية مطلقة، مطلوبة في كل الأحوال، مهما يكن الغرض المراد التعبير عنه. وعند آخرين بالتفريق بينه وبين الرقة، كما هو الأمر عند ابن الأثير، وهذا الرأي أوجه وأقوى، يستمد أرجحيته من المعنى اللغوي نفسه للجزالة، وفي هذه الحال تكون الجزالة قيمة نسبية، مناسبة لشعر الحماسة، وما يتعلق به من وصف الحروب والملاحم، أو ما يشبه ذلك. وربما كان هذا سبب اشتراط المرزوقي الجزالة في اللفظ وهو يصوغ مفهوم عمود الشعر، إذ كان يضع ذلك المفهوم في مقدمته لشرح حماسة أبي تمام، والحماسة قرينة الجزالة بمفهومها عند ابن الاثير، مع أن أبا تمام ضمّن كتابه أغراضا أخرى غير شعر الحروب والمعارك، ولكن يبقى أن أهم الأبواب وأحفلها هو باب الحماسة.

-       جانب الوصف: وشرطه الإصابة، أي اختيار ما يناسب الموصوف من صفات مشاكلة له. فجوهر الشعر ذكر صفات الموصوف، التي هي أرفع قيمة في الفن من ماهيته المجردة.

-       جانب التصوير والخيال: وأساسه التشبيه الذي يشترط له المقاربة بين طرفيه، فيجب البعد عن التغريب جهد المستطاع في إحداث العلائقية بين المشبه والمشبه به. ثم الاستعارة التي ما هي إلا الدرجة القصوى للتشبيه، فيجب فيها ما يجب فيه من ضرورة تجنب التهويم في العلاقة بين المستعار منه والمستعار له. 

-       الجانب التركيبي مع الجانب الموسيقي أو العروضي: أما الجانب التركيبي فيتصل ببناء البيت ابتداءً، وانتهاءً ببناء القصيدة كلها، فيجب صرف العناية إلى حسن رصف الكلمات في البيت الواحد، ثم رصف الأبيات في القصيدة، أما الجانب الموسيقي فتلزم العنايةُ به من حيثيتين: الأولى تتمثل في تخير الوزن المستلذ، والعمل على إحداث التلاحم بين محتلف مكونات البنية الموسيقية. والثانية تتمثل في اتحاد اللفظ والمعنى معا، وتعاونهما وعدم تغليب أحدهما على الآخر عند الاتجاه إلى وضع القافية أو النوطة المناسبة، وذلك بتجنب التكلف وفرض حضور أحدهما على حساب الآخر، فالملاحظ أنها عودة إلى اللفظ والمعنى، لكن بنظرة تفاعلية بينهما من جهة، وهو تفاعل ليس لذاته، بل من أجل الإسهام في بناء النغمة الموسيقية، من جهة أخرى. والجمع بين الجانب التركيبي والموسيقي يدل على رهافة حس وعمق نظرة عند المرزوقي، فالموسيقى أثر فني لا يدرك إلا مركبا، وحسن تركيب الألفاظ موسيقى داخلية عميقة، والعروض موسيقى خارجية سطحية، ولا يخفى أثر التفاعل بين الجانبين في إحداث سمفومية متكاملة الأدوات متناغمة الأصوات.

معايير

وربما أحس المرزوقي أنه مطالب بعد تفصيل عمود الشعر في الأبواب السبعة، بأن يضع معايير أو روائز يراز به كل باب أو عنصر،  "... فعيار المعنى أن يعرض على العقل الصحيح والفهم الثاقب ... وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال، ... وعيار الإصابة في الوصف الذكاء وحسن التمييز ... وعيار المقاربة في التشبيه الفطنة وحسن التقدير ...وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن، الطبع واللسان ... وعيار الاستعارة الذهن والفطنة ... وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية، طول الدُّربة ودوام المدارسة، ... وأما القافية فيجب أن تكون كالموعود المنتظر، يتشوفها المعنى بحقه واللفظ بقسطه، وإلا كانت قلقلة في مقرها، مجتلبة لمستغنٍ عنها[128]" ..

 ويُتبع كل عيار بتفصيل وشرح، يدل على حسن تصور للقضية، وبراعة منطق، وقدرة على الإقناع، على الأقل عند تحكيم القيم الجمالية المعتبرة يومئذ، وفي ظل الأعراف والتقاليد السائدة آنذاك.

وإذا كان للمرزوقي فضل التفصيل في عمود الشعر، وتمييز أبوابه، وتقرير معاييرها، فإنه في حقيقة الأمر كان يُتم صرحا بدأ بناءَه غيرُه. إذ يمثّل عمله الخطوة الثالثة بعد اثنتين، قام بأولاهما أبو القاسم الآمدي (ت. 370 هـ) أول من أتى بهذا المصطلح[129]، وذلك حين وصف البحتري بأنه "ما فارق عمودَ الشعر المعروف..."[130]، ثم أعقبه في خطوة ثانية القاضي الجرجاني (392 ه ؟)، الذي لم يُعيِه أن يعكس القيم السلبية، التي نظر منها الآمدي إلى عمود الشعر عند نقده لأبي تمام، فيضعها الجرجاني في مواجهة ما يناقضها من قيم إيجابية في شعر البحتري[131]. السائر في فنه سيرة العرب التي "... إنما تُفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحّته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلّم السّبْق فيه لمنْ وصف فأصاب، وشبّه فقارب، وبدَهَ فأغزَر، ولمَن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته؛ ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفِل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض"[132].

 

 

 



[1] الجاحظ: كتاب الحيوان، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط.3، 1388 ه / 1969 م، ج.3، ص. 131-132.

[2] حسن طبل: المعنى في البلاغة العربية، دار الفكر العربي، القاهرة، ط.1، 1418 هـ/1998م، ص. 81.

[3] السابق، الموضع نفسه.

[4] بسيوني عبد الفتاح فيود: قراءة في النقد القديم، مؤسسة المختار، القاهرة، ط.1، 1434هـ/2010م، ص.141

[5] الجاحظ: كتاب الحيوان، مصدر سابق، ج.3، ص. 132.

[6] إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، مرجع سابق، ص. 99.

[7] حسن طبل: المعنى في البلاغة العربية، مرجع سابق، ص.81.

[8] ابن قتيبة: الشعر والشعراء، مصدر سابق، ج.1، ص. 65.

[9] محمد مندور: في الميزان الجديد، دار نهضة مصر، القاهرة، 2004 م، ص. 103.

[10] محمد مندور: النقد والنقاد المعاصرون، دار نهضة مصر، 2004 م، ص. 112.

[11] هو قوله: والنفس راغبة إذا رغّبتها          وإذا تُرَدّ إلى قليل تَقنعُ

[12] محمد مندور: النقد المنهجي عند العرب، دار نهضة مصر، القاهرة، 2003م، ص. 35.

[13] محمد مندور: النقد والنقاد المعاصرون، مرجع سابق، ص. 112.

[14] عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، قراءة وتعليق: محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط.5، 1424 هـ / 2004 م، ص. 74.

[15] السابق، ص. 75- 76.

[16] إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، مرجع سابق، ص. 108.

[17] بسيوني عبد الفتاح فيود: قراءة في النقد القديم، مرجع سابق، ص. 120-121.

[18] السابق، ص. 121.

[19] السابق، الموضع نفسه.

[20] ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، مصدر سابق، ج.1، ص. 205.

[21] أبو نواس: الديوان، مصدر سابق، ص. 38.

[22] في العمدة لابن رشيق : " أردّ "، مصدر سابق، ج.1، ص. 205.

[23] في العمدة لابن رشيق " فسمعًا ... وطاعةً "، السابق، الموضع نفسه.

[24] المتنبي: الديوان، مصدر سابق، ج.2، ص. 49.

[25] وبعده: لا تهاب المنونُ شيئا ولا تُبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــقي على والد ولامولود

[26] الأصفهاني: الأغاني، مصدر سابق، ج.18، ص. 108.

[27] أبو القاسم الآمدي: الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار المعارف، القاهرة، ط.5، 2006 م، ج.1، ص. 24.

[28] ابن سنان الخفاجي: سر الفصاحة، مصدر سابق، ص. 267.

[29] أبو تمام: الديوان بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد عبده عزام، دار المعارف، القاهرة، ط.3، 1983م، ج.4، 467.

[30] أبو هلال العسكري: كتاب الصناعتين، مصدر سابق، ص. 45.

[31] المرزباني: الموشح في مآخذ العماء على الشعراء، مصدر سابق، ص. 335.

[32] ابن حجة الحموي: خزانة الأدب وغاية الأرب، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط.2، 1991م، ج.1، ص.23.

[33] السابق، الموضع نفسه.

[34] السابق، الموضع نفسه.

[35] ابن جني: الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، عالم الكتب، بيروت، ط.1، 2006 م، ص.61.

[36] ابن جني: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، تحقيق: علي النجدي ناصف وآخرين، القاهرة، 2004 م ، ج.1، ص.231.

[37] أحمد مطلوب: معجم مصطلحات النقد العربي القديم، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط.1، 2001 م، ص. 358.

[38] ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، مصدر سابق، ج.1، ص. 80.

[39] ابن قتيبة: الشعر والشعراء، مصدر سابق، ج.1، ص. 64.

[40] ابن المعتز: البديع، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي، دار الجيل، بيروت، ط.2، 1428 ه /2007 م، ص. 73-74.

[41] السابق، ص. 74.

[42] الجاحظ: البيان والتبيين، مصدر سابق، ج. 2، ص. 13.

[43] السابق، الموضع نفسه.

[44] الجاحظ: البيان والتبيين، مصدر سابق، ج.3، ص. 29.

[45] السابق، ج.2، ص. 13.

[46] السابق، الموضع نفسه.

[47] محمود الربداوي: دراسات في النقد العربي القديم، مرجع سابق، ص. 124.

[48] ابن قتيبة: الشعر والشعراء، مصدر سابق، ج.1، ص. 77.

[49] محمود الربداوي: دراسات في النقد العربي القديم، مرجع سابق، ص. 146.

[50] شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في الشعر العربي، مرجع سابق، ص.7-8.

[51] جبور عبد النور: المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، بيروت، ط.2، 1984م، ص.181.

[52] شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في الشعر العربي، مرجع سابق، ص.20.

[53] السابق، ص.10.

[54] السابق، ص.7.

[55] السابق، ص. 9.

[56] ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، مصدر سابق، ج.1، ص. 116.

[57] إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، مرجع سابق، ص. 70.

[58] السابق، ص. 69.

[59] أدونيس: الشعرية العربية، دار الآداب، بيروت، ط.3، 2000 م، ص. 6.

[60] ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، مصدر سابق، ج.1، ص. 80.

[61] أدونيس: الشعرية العربية، مرجع سابق، ص. 6.

[62] ابن رشيق: العمدة، مصدر سابق، ج.2، ص. 282.

[63] السابق، ج.2، ص. 283.

 

[64] السابق، ج.2، ص. 283.

[65] ابن منظور: لسان العرب، مصدر سابق، مادة (نحل).

[66] السابق، الموضع نفسه.

[67] ابن سلّام الجمحي: طبقات فحول الشعراء، مصدر سابق، ج.1، ص. 4.

[68] السابق، الموضع نفسه.

[69] السابق، ج.1، ص. 25.

[70] السابق، ج.1، ص .25.

[71] السابق، ج.1، ص. 26.

[72] حسن عبد الله شرف: النقد في العصر الوسيط والمصطلح في طبقات ابن سلّام، مرجع سابق، ص. 96-101.

[73] أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، مصدر سابق، ج.6، ص. 85.

[74] السابق، ج.6، ص. 85-86.

[75] صدر بيت لزهير في شرح ديوان زهير لأبي العباس ثعلب عجزه: خير البداة وسيد الحضْر. ينظر: شرح شعر زهير بن أبي سلمى، صنعة أبي العباس ثعلب، ح. فخر الدين قباوة، دار الفكر المعاصر، بيروت-دار الفكر، دمشق، 2002 م، ص. 115.

[76] في رواية القصيدة اختلاف في الألفاظ، وعدد الأبيات.

[77] السابق، ج.6، ص. 86-87.

[78] محمود بن عمر الزمخشري: ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، تح. عبد الأمير مهنا، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط.1، 1412 هـ / 1992 م، ص. 222.

[79]ابن المعتز، طبقات الشعراء، تح. عبد الستار أحمد فراج، دار المعارف، القاهرة، ط. 3، 1976 م، ص. 147.

[80]ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تح. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1972 م، ج. 2، 378.

[81] البحتري: الديوان، مصدر سابق، ج.2، ص. 328-329.

[82]  مصطفى طه أبو كريشة: أصول النّقد الأدبي، مكتبة لبنان، بيروت، ط.1،  1996 م، ص. 2.

[83] المبرد: الكامل، تحقيق: محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط.4، 2004 م، ج.1، ص.342.

[84] السعيد الورقي: لغة الشعر العربي الحديث مقوماتها الفنية وطاقاها الإبداعية، دار النهضة العربية، بيروت، ط.3، 1984 م، ص.5.

[85] ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، مصدر سابق، ج.1، ص.104.

[86] الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط.4، 1998م، ص.167.

[87] السابق، الموضع نفسه.

[88] ابن خلدون: المقدمة، دار صادر، بيروت، ط.1، 2000م، ص.463.

[89] الشريف الجرجاني: التعريفات، مصدر سابق، ص.108.

[90] طه حسين: في الأدب الجاهلي، دار المعارف، القاهرة، ط.13، 1979 م، ص.312-313.

[91] أحمد الشايب: أصول النقد الأدبي، القاهرة، ط.7، 1964م، ص.298-299.

[92] ميجان الرويلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-بيروت، ط.3، 2002 م، ص. 74.

[93] القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1340 هـ / 1922 م، ج.1، ص. 58.

[94] السابق، ص. 58-59.

[95] محمد مشبال: البلاغة ومقولة الجنس الأدبي، مجلة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت،ع.1، مج.30، يوليو/ سبتمبر، 2001 م، ص. 52.

[96] ابن الأثير: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، مصدر سابق، ج.2، ص. 324.

[97] السابق، ج.1، ص. 27.

[98] السابق، ج.1، ص. 28.

[99] ابن سلّام الجمحي: طبقات فحول الشعراء، مصدر سابق، ج.1، ص. 138.

[100] حسن عبد الله شرف: النقد في العصر الوسيط والمصطلح في طبقات ابن سلّام، مرجع سابق، ص. 140.

[101] السابق، الموضع نفسه.

[102] عيسى علي العاكوب: التفكير النقدي عند العرب، دار الفكر المعاصر، بيروت-دار الفكر، دمشق، ط.6، 1429هـ/2008م، ص. 109.

[103] الجاحظ: البيان والتبيين، مصدر سابق، ج.2، ص. 9.

[104] ابن منظور: لسان العرب، مصدر سابق، مادة (فحل).

[105] السابق، الموضع نفسه.

[106] الأصمعي: فحولة الشعراء، تحقيق: صلاح الدين المنجّد، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط.4، 1400ه/1980م، ص.9.

[107] السابق، ص. 14.

[108] السابق، ص. 15.

[109] السابق، ص. 14.

[110] السابق، ص.12.

[111] إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، مرجع سابق، ص. 51.

[112] السابق، ص. 52-53.

[113] ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، مصدر سابق، ج.1، ص.178.

[114] إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، مرجع سابق، ص. 322.

[115] أبو علي المرزوقي: شرح ديوان الحماسة لأبي تمام، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.1، 1424هـ/2003م، ج.1، ص. 10.

[116] السابق، الموضع نفسه.

[117] الجاحظ: البيان والتبيين، مصدر سابق، ج.1، ص. 136.

[118] ابن منظور: لسان العرب، مادة (جزل).

[119] أبو العباس ثعلب: قواعد الشعر، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط.1، 1417هـ/1996م، ص. 40.

[120] أبو هلال العسكري: كتاب الصناعتين، مصدر سابق، ص. 64.

[121] السابق، ص. 67.

[122] أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، مصدر سابق، ج.22، ص. 429.

[123] الجاحظ: البيان والتبيين، مصدر سابق، ج.1، ص. 144.

[124] ابن الأثير: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، مصدر سابق، ج.1، ص. 172.

[125] السابق، ج.1، ص. 181.

[126] السابق، ج.1، ص. 172.

[127] السابق، الموضع نفسه.

[128] المرزوقي: شرح ديوان الحماسة لأبي تمام، مصدر سابق، ج.1، ص. 10-11.

[129] إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، مرجع سابق، ص. 322.

[130] أبو القاسم الآمدي: الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، مصدر سابق، ج.1، ص. 4.

[131] إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ص. 322.

[132] القاضي الجرجاني: الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق: محمد أبو الفضل إبرهيم وعلي محمد البجاوي، ط.1، 1427 هـ / 2006 م، ص. 38.

ا النقد العربي التي نضجت في العصر العباسي ومنها اللفظ والمعنى-القدم والحداثة -الطبع والصنعة -المنظوم والمنثور -الانتحال -السرقات


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة