تحليـــــــل أبيـــــــــــــات مسلـــــــــم بــــــــــن الوليــــــــــــــد في مدحــــــــــة لزيــــــــــد بن مسلم الحنــــــــفي




تحليـــــــل أبيـــــــــــــات
مسلـــــــــم بــــــــــن الوليــــــــــــــد

في
مدحــــــــــة لزيــــــــــد بن مسلم الحنــــــــفي







بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين ..
هذا بحث أدبي بسيط أقدم فيه تحليلاً مبسطاً وشرحاً ميّسراً لقصيدة من قصائد شاعر معروف من شعراء العصر العباسي الزاهر،وشاعرنا هو مسلم بن الوليد،والملّقب بصريع الغواني.
وبحثي هذا حاولت فيه بكل جهدي،وعلى قدر استطاعتي،وعلمي القليل أن أقدم فيه عملاً مرضياً لكل من يقرؤه ولعله يكون سبيلاً لمعرفة بعض من أخبار الشاعر،وفهم معانيه الشعرية والتعرف على أغراض شعره.
وقد اخترت هذه القصيدة في مدح صريع الغواني لزيد بن مسلم الحنفي، لكي أرى مدى إجادة وإتقان مسلم بن الوليد من المدح، وإلى أي مدى ابتكر في هذا المدح،وكيف كان شعره سبيلاً للحصول على المال والتكسب.
سيما أنه من شعراء المدح لمعروفين، ومن الشعراء الذين ركبوا بحر المديح فأجادوا وأبدعوا ولربما شعره في المدح أصبح مثالاً يحتذى. فمن أجل ذلك كله اخترت هذه القصيدة التي بين أيدين.
وقد قسمت بحثي هذا إلى مبحثين:
المبحث الأول: مسلم بن الوليد (حياته وشعره).
المبحث الثاني: قصيدة مسلم وتحليلها.
أما مصادر هذا البحث متعددة ومتنوعة منها أمهات الكتب وهي ما اعتمدت على كتب اللغة والأدب والنقد والبلاغة يأتي في مقدمتها: كتاب الأغاني للأصبهاني وكتاب لسان العرب لابن منظور إضافة إلى ديوان الشاعر مسلم بن الوليد.
وعلى الرغم من بساطة هذا العمل الأدبي وسهولة أدائه إلا أنه كأي عمل أدبي آخر لابد أن تواجهه بعض الصعاب وتعترضه بعض العقبات ولعل في مقدمتها وأبرزها جهلي وقلة خبرتي وضعف ثقافتي في علوم اللغة العربية على وجه العموم وفي الأدب والشعر على وجه الخصوص، فهذه العلوم تعد بحراً عميقاً لابد لمن يغامر بالإبحار فيه أن يكون سباحاً ماهراً وغواصاً قديراً وربّاناً خبيراً يعلم ظواهر الأمور وبواطنها ومعاني الكلمات مرادها وألوان البديع بأصنافها وأنواعها،فمن أين لمثلي كل هذا وأنا ما زلت مجرد نبتة صغيرة وضعت في أرض اللغة والأدب وزرعت ولكن ما زالت محتاجة إلى ري وسُقيا وطول تعهد حتى تنمو وتترعرع وتؤتي ثمارها طيبة بإذن الله.
ولعل من الصعاب أيضاً قلة الشروح وعدم استيفائها جميع الأبيات للقصيدة التي بين أيدينا.ولكني حاولت جاهدة أن أضع بين يديّ القارئ عملاً ذا قيمة وفائدة لعله يوضح جانباً من جوانب حياة مسلم بن الوليد وشعره.
وأعتذر عن تقصيري وعدم إجادتي في هذا العمل،كما أعتذر عن أي خطأ أو زلل قد يكون جاء عفوياً دون قصد مني.
ولا يسعني هنا إلا أن أتقدم بكل الشكر والتقدير إلى دكتورتي الفاضلة الدكتورة/ ابتسام با حمدان على كل ما قدمته لي ولن جميعاً من تشجيع ودعم ونصيحة في محاولتي لتحليل هذه الأبيات وعلى ما قدمته قبل ذلك من تعليم وتعريف بالأدب والأدباء والشعر والشعراء فلها موفور الشكر والثناء وجزاها الله خير الجزاء.
وختاماً الله اسألُ أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه ونافعاً لمحبي اللغة العربية وآدابها وأن يكون سبيلاً لفتح نافذة ولو صغيرة على بعض حياة شاعرنا وبيان مكانته،ومدى تأثيره في الشعر العربي الجميل.
هذا والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين.








المبحث الأول
مسلم بن الوليــــــــد (صريع الغواني)
حياته وشعره
اسمه: مسلم بن الوليد الأنصاري.اختلف الباحثون في أبيه أهو من الأنصار أم من الموالي فقال بعضهم من أمثال أبي الفرج الأصفهاني (إنه مولى الأنصار) وقال بعضهم أمثال ابن قتيبة (إنه من أبناء الأنصار) أما أمه فهي مولاة آل رزين.ولم يتيسر لنا معرفة الجنس الذي انحدر منه.

كنيته: كان يكنى باسم والده أي بأبي الوليد.
لقبه: صريع الغواني واختلف الباحثون أيضاً في بيان سبب إطلاق هذا اللقب عليه فبعضهم روى أن الذي أطلق عليه هذا اللقب هو هارون الرشيد عندما أنشده قصيدته التي منها:

وما العيش إلا أن تروح مع الصبا


صريع حميا الكأس والأعين النجل


فلقبه الرشيد يومئذ بصريع الغواني لهذا البيت.
ونقل في بعض كتب الأدب (أن رجلاً سأل مسلم بن الوليد عن سبب هذا اللقب فأنشد مسلم:

إن ورد الخدود والأعين النجل
واسوداد الصدغين في أوضح الخـ
تركتني لدى الغواني صريعاً


وما في الثغور من أقحوان
د وخافي الصدور من رمان
فلهذا أدعى (صريع الغواني)


فهذا اللقب يدل فعلاً على أنه كان صريعاً للغواني فديوانه ممتلئاً بكلمة صريع وممتلئ أيضاً بأوصاف الغواني.
مولده ونشأته:
ولد في مدينة الكوفة حوالي منتصف القرن الثاني للهجرة ولا نعلم حقيقة العام الذي ولد فيه فكما اختلف في أبيه اختلف أيضاً في مولده وقد نشأ الطفل مسلم بن الوليد في الكوفة مهد العلوم والفنون والأدب فترعرع وتربى في بيئة مليئة بالعلماء والأدباء والشعراء.
كانت أسرته من الأسر الفقيرة فقد كان والده يعمل حائكاً يسعى لكسب قوته وقوت عياله كما عرف عن أسرته الصلاح والاستقامة.
أما بالنسبة لإخوته فلا نعرف منهم إلا سليمان الذي ابتلي بالعمى وقد كان شاعراً متأثراً ببشار بن برد لكن شعره المروي قليل.
صفاته: كان فطيناً ذكياً ـ حلواً، سوياً، جميل الطلعة، غير مشوه الخلقة وغير دميم الوجه وهذا ما أبهج نفسه وبعث فيه الغرور كونه محبوباً من النساء رائقاً لأعينهن ويفهم من شعره أنه كان سميناً لكن السمنة التي كانت فيه لم تكن قبيحة بل كانت مقبولة فهي سمنة لا تتعارض مع الحب كما يقول هو رداً على من تعجب من اجتماع الحب وعدم الهزال عنده أما أخلاقه فقد كان كريماً مسرفاً في كرمه، هادئاً، حليماً، وقوراً، متروياً في الأمور وإعمال الفكر فيها، مرحاً، مداعباً لأصدقائه،وفياً، مخلصاً لمن اتصل بهم،رقيق العاطفة، واقعياً في نظرته للحياة كما أنه كان مولعاً باللهو واللعب والشراب، شغوفاً بالنساء، معجباً بفنه وثقته بشاعريته.

مذهبه:
لم يكن متحيزاً لحزب دون آخر فهو لم ينشغل كغيره من الشعراء وإنما كان يحب أن يعيش حياة كريمة عنده المال الذي يحتاجه ولا شأن له بغيره.
وقيل أنه كان متشيعاً لآل البيت إلا أن هذا التشييع عنده في مرحلة لا تتعدى الألم الداخلي والكبت الداخلي.




أسرته:
تزوج مسلم وشهدت له زوجته بحسن أخلاقه وطيب وداده وعظيم إخلاصه على الرغم من كثرة مغامرته مع الغواني. ولعل زوجته كانت تعلم أن هذه الأسماء التي في شعره إنما هي رموز لا حقيقة لها أو ربما هي توهم نفسها بذلك ولا تدري شيئاً عن حياته خارج البيت.
(وقد أنجب مسلم ثلاثة أولاد وابنة، الأولاد هم (عبد الله ومحمد وخارجة) أما ابنته فلم يذكر الباحثون اسمها)

شعره:
عاش مسلم بن الوليد متكسباً بشعره يمدح هذا وذاك ويأخذ على ذلك الأجر الوفير والمال الكثير فانتقل من أمير إلى آخر ومن ممدوح إلى ثان وثالث وقد انتقل من الكوفة إلى بغداد في مطلع شبابه وذلك لكي يتصل بالأمراء والوزراء فيقول فيهم وينال عطاياهم، فهو يمدح كل من يعطيه فمدح البرامكة ومدح يزيد بن مزيد وهم كانوا على خلاف.
أما طريقة شعره فقد مزج بين شعر البادية وشعر الحاضرة وتفنن في ألوان الشعر متعلقاً بعمود الشعر واتخذ طريقة بعض القدماء في التكلف باللفظ وكان يتبع طريقة كثير من الفحول في تجويده في المعنى وعنايته به.
أما ألوان شعره فمتعددة منها المديح والهجاء والرثاء والوصف والغزل فيمدح لأجل المال والجاه والمجد ويهجو هجاءً لاذعاً كل من وقف في طريقه من الشعراء الذين يحاولون إبعاده عن الشهرة والمجد أما رثاؤه يعتمد على ذكر الكرم والشجاعة وأما وصفه فهو كثير يحكي فيه عن البيئة التي كان يعيش فيها.ول نظرنا إلى الغزل فحدّث ولا حرج فهو صريع الغواني الذي عشق النساء وتغزل بهن.



وفاته:
انتقل شاعرنا من بغداد إلى جرجان وأصبح عاملاً للبريد فيها ولكنه ظل مشتاقاً إلى بغداد. عرف عنه في آخر أيامه الورع والزهد والتنسك فقد قيل أن راويته جاءت إليه بعد أن تاب ليعرض عليه شعره فتغافله مسلم ثم أخذ منه الدفتر فقذف به في البحر فلهذا قل شعره فليس في أيدي الناس منه إلا ما كان بالعراق.
( كما أنه بدأ يتنكر للقبه الذي أحبه كثيراً فإذا سأله أبو نواس عن معنى قوله:
 لا تذع بي الشوق إني غير معمور
أجابه مسلم:
(لا تدعني صريع الغواني فلست كذلك)
ظل الشاعر بجرجان حتى مات غريباً نائياً في عام 208هـ فرثاه أصدقاؤه من الشعراء كما رثاه ابنه خارجه فقال:

تعطلت الأشعار من بعد مسلم
إذا مرضت أشعار قوم فإنه


وصارت دعاويها إلى كل معجمِ
يجيئك منها بالصحيح المُسَلِّمِ


أقوال الأدباء والخلفاء والنقاد فيه:
أعجب بعض النقاد والخلفاء والأمراء والعامة بشعر مسلم وقد قال عنه ابن شرف القيرواني: (وأما صريع فكلامه مرصع، ونظامه مُصَّنع،وغزله عذب مستعذب وجُملةُ شعره صحيحة الأصول قليلة الفضول، وشبهه بزهير والنابغة).
وقال عنه المأمون لما خاض أصحابه في شعره: (هذا أشعر من خضتم اليوم في ذكره)
أما هارون الرشيد فقد عنّف يزيد بن مريم لأنه لم يكرم مسلم بما يستحق وذلك لما كان يرى من جودة شعره وتفوقه في ألوانه وفنونه.
وقال عنه ابن قتيبة: ( كان مسلم مدّاحاً حسناً).

وقد قال عنه كثير من الكتاب: (إنه أفسد الشعر بإدخاله فن البديع)
ونفى ابن المعتز هذه التهمة عنه فقال: (إن البديع كان موجوداً من قبله لكنه أكثر منه في شعره)
فمن شعره الذي نقدوه فيه ذلك البيت الذي قال فيه:

سلت فسلت ثم سل سليلها


فأتى سليل سليلها مسلولا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة