تحليـــــــــل النــــــــص

البحر والموسيقى
نلاحظ أن الهوية العروضية للقصيدة في بحر الطويل ووزنه هو:
فعلون مفاعلين فعولن مفاعلين


فعولن مفاعلين فعولن مفاعلين

يعد هذا البحر من البحور الأكثر استخداماً في الشعر العربي فقد نُظُم منه ما يقرب ثلث الشعر العربي كيف لا فإنه الوزن الذي كان القدماء يؤثرونه على غيره ويتخذونه ميزاناً لأشعارهم وخاصة في الأغراض الجدية الجليلة الشأن.
فنرى أن الشاعر قد اختار هذا البحر بحراً لقصيدته وربما كان الإختيار يتناسب مع موقفه من الممدوح ومع غرض القصيدة وهو المدح فبحر الطويل باسمه الطويل يدل على طول نفس الشاعر في مدحه وشعره ويدل على شدة حبه وتعلقه بالممدوح، ونرى أن الشاعر ابتدأ ميميته بالتقفية،والتقفية: مصطلح عروضي يطلق على الأبيات التي يتحدد مصراعاها أي شطرها في نوع القافية ولا يتبع ذلك تغيير في وزن العروض لتناسب الضرب وهذا محسن بديعي يعطي البيت إيقاعاً واضحاً ويكون في مطلع القصيدة وقد يجيء فقي داخل القصيدة.
كما نلاحظ أن قافية القصيدة ميمية مطلقة، ويعد روي الميم كصوت يمتلك خصائص وصفات متعددة كالشفورية والجهر والفنة وربما كان هذا الحرف يؤدي غرضاً هاماً وهو التلميح إلى الممدوح بحال الفقر التي يحياها الشاعر حتى أغلق فمه من شدة جوعه وفقره وحاجته إلى العطاء،فالميم مخرجها تنغلق الشفتان عليها فيكون الفم مغلقاً فكأنه رمز إلى الحاجة والفقر، كذلك لو نظرنا إلى حرف الميم في بعض الكلمات لوجدناه أول حرف في كلمة (مال) وآخر حرف في كلمة (كرم) لهذا نجد أن هذا الحرف انسجم في خصائصه مع مقصد الشاعر وإحساسه.
هذا في البحر والقافية. أما لو نظرنا إلى الموسيقى الموجودة في هذه الأبيات نجد أن الشاعر أثرى الجانب الموسيقي إثراءً واضحاً وذلك عند استخدامه التكرار سواء كان هذا التكرار تكراراً للحرف أو تكراراً للألفاظ وما يشتق منها فمن تكرار الحرف قوله:
ولم تر قوماً حاربوه فأدركوا
وما مر يوم قط إلا جرت به
ومثر من المعروف والبأس والندى


نجاة ولا قوماً رجوه فأعدموا
على الناس من كفيه بؤسى وأنعم
عديم من السوءات والنجل مصرم

نرى أن الشاعر كرر حرف الواو فشكل إيقاعاً وموسيقية أثرت في القصيدة ولعله عمد إلى ذلك لربط أجزاء القصيدة ببعضها البعض، كما نرى أن الشاعر قرن بين الألفاظ وأتى بجمل قصار وكرر حرف الكاف ليزيد من الإيقاع فقال:
عطاؤك موفور وعرفك واسع
وفعلك محمود ومجدك شامخ


وعرضك ممنوع ومالك مسلم
وجودك موجود وبحرك خضرم

أيضاً تكراره للضمير المنفصل تأكيداً وزيادة في الإيقاع وذلك بقوله:
ركبت على اسم الله بحر هواكم


فيا رب سلم أنت أنت المسلم

وإذا نظرنا إلى القصيدة نجد أن الشاعر قام بتكرار الألفاظ الذي أحدث إيقاعاً رائعاً جعلنا نستمتع بالإسترسال في قراءة النص، فمن هذه الألفاظ كلمة (الندى) والتي تعني الكرم وهو ما يصبو إليه الشاعر وما كان يغزو إليه من هذا الممدوح وهو نيل العطايا وأن يجود عليه بكرمه ولهذا أخذ يكرر هذه اللفظة على هذا النحو:
إذا حل أرضاً حلها البأس والندى
أثار حروب المال بالبذل والندى
ومثر من المعروف والبأس والندى
أقام الندى من وائل حين حصلت


فأيسر ذو عسر وعز مهضم
فنيرانها في كل يوم تضرم
عديم من السوءات والبخل مصرم
على رهط زيد فهو فهيم مخيم

بل إنه لم يكتف بتكرار كلمة الندى وإنما قام بإضافة الممدوح وهو (زيد) إلى الندى فكأن زيداً والندى شئ واحد ولعله عمد إلى ذلك ليدلل على مدى كرم الممدوح وسخائه وذلك بقوله:
فمن لامني في اللهو أو لام في الندى


أبا حسن زيد الندى فهو ألوم

أيضاً يبالغ الشاعر في كرم ممدوحه فيقول: إذا زيد لم يعطك من ماله ولم يجد عليك بكرمه وسخائه فالأفضل لك أن تموت ولا تسأل أحداً غيره عطاءً أو مالاً لأن الكرم والعطاء من غيره محرم لا يُنال فقد قصر الكرم مرة أخرى على زيد بن مسلم دون غيره من الكرام فقال:
إذا القوم زيد لم يقفك على الندى


فمت فالندى من غير زيد محرم

كذلك يكرر الشاعر لفظ (الهوى) كي يبين لممدوحه مدى حبه الشديد له، أيضاً كيف لا يكرر هذه اللفظة وهو صريع الغواني فهذه الكلمة ملازمة له ولشعره فهو أشهر الشعراء في الهوى والعشق،يقول:
تعلقتكم من قبل أن أعرف الهوى
حججت مع العشاق في حجة الهوى
ألا عظمت ما باح مني من الهوى
فأصبحت كذاباً لكتماني الهوى
يقولون لي: أخف الهوى لا تبح به


فلا تقتلوني إنني متعلم
وإني لفي أثواب حبك محرم
ومافي ضمير القلب أدهى وأعظم
وصار إلى الإعلان ما كنت أكتم
وكيف وطرفي بالهوى يتكلم

ويكرر ذكر اسم ممدوحه ليخصه بالكرم والشجاعة فكأنه يتلذذ بذكره فيعمد إلى تكراره فكأن فؤاده ينبض حباً بهذا الاسم فيقول:
فمن لامني في اللهو أو لام في الندى
لئن أحرز العلياء زيد فقبله
أقام الندى من وائل حين حصلت
سل الحرب عن زيد إذا هي أوقدت
يخبرك عن زيد بحسين بلائه
حبوت بها زيداً فزينت ذكره


أبا حسن زيد الندى فهو ألوم
حواها أبو زيد أخو الجود مسلم
على رهط زيد فهو فيهم مخيم
ودب لها شرب من الموت مفعم
ظبات سيوف والوشيج المقوم
كما زين السلك الجمان المنظم

وهناك ألفاظ كثيرة راح يكررها وكلها تدور في دائرة الحب والكرم والشجاعة فكأن هذا التكرار قد عمل على صنع وحدة في هذه الأبيات إضافة إلى أنه أحدث إيقاعاً راعاً فقي موسيقى النص.

التكرار البديعي في النص:
يعد هذا التكرار من مقومات الجمال في النص فما يزيده إلا حسناً ولا يبعث في دواخلنا إلا الشعور بالرغبة في مواصلة قراءة الأبيات، فنلاحظ أن هذا الترديد وهذا التلوين الموسيقى تتردد أصداؤه داخل البيت الواحد وهذا الترديد الموسيقى ناجم عن طبيعة الجناس وعملية إحكام مواقعه وتوزيعه داخل البيت الواحد على نحول قوله:
وصافح حد البيض بيض كلماتها
وذم كمي واستفز مبارز
وفعلك محمود ومجدك شامخ


وكان عناء الخيل فيها التحمحم
وأرهب مرهوب وخاطر مقدم
وجودك موجود وبحرك خضرم

نجد أن بين كلمتي (البيض ـ بيض) وكلمتي (أرهب ـ مرهوب) أيضاً (جودك موجود) جناس أحدث لوناً إيقاعياً في البيت.
وينفذ شاعرنا إلى أنماط بديعية أخرى غير الجناس فيلجأ إلى تكرير أكثر من لفظه داخل البيت الشعري الواحد ليساهم ذلك من رفع قيمة الإيقاع كما في قوله:

أأظلم قلبي ليس قلبي بظالم
خلطنا دماً من كومة بدمائنا


ولكن من أهوى يجور ويظلم
فأظهر في الألوان منا الدم الدم

ولا نغفل حقيقة عن تكرار الشاعر في الأفكار فكلما كرر في الألفاظ والحروف نراه يكرر في الأفكار وهذه العادة يفعلها في كثير من قصائده وغايته من ذلك التأكيد عليها،فيقول في أول الأبيات:
طفوت على بحر الهوى فدعوتكم
لتستنقذوني أو تغيثوا برحمة
ركبت على اسم الله بحر هواكم


دعاء غريق ماله متعوم
فلم تستجيبوا لي ولم تترحموا
فيا رب سلم أنت أنت المسلم

ثم كرر نفس الفكرة فقال:
توسطت بحر الحب حين ركبته


فغرقني آذيّه المتلطم

التكرار الإبداعي:
نرى أن الشاعر أتى بفن بديعي وهو رد العجز على الصدر مما زاد في موسيقاه وجعلها تتأتى بموسيقى متوازنة وإيقاع متناغم وهو قوله:
أأظلم قلبي ليس قلبي بظالم
ألا عظمت ما باح مني من الهوى
شكوت إليها حبها فتبسمت
فقلت لها جودي فأبدت تجهماً


ولكن من أهوى يجور ويظلم
وما في ضمير القلب أدهى وأعظم
ولم أر شمساً قبلها تتبسم
لتقتلني يا حسنها إذ تجهم

ونرى أن النص ملئ بالأسماء والأفعال المضمومة ولعل الشاعر قصد ذلك لكي يحدث اتساقاً مع الروي المضموم على نحو:
توسطتُ بحر الحب حين ركبتُهُ
وما الناس إلا اثنان فيه فراغبٌ


فغرقني آذيّه المتلطمُ
إليه ومجهود الصنيعة مرغمُ


الألفاظ:
تعد الألفاظ في مقدمة البناء الشعري كيف لا وهي الركيزة الأساسية التي يسعى الشاعر إلى توظيفها في النص توظيفاً مناسباً وملائماً لغرضه الذي يسعى من أجله، فيمكننا تصنيف الألفاظ في القصيدة إلى المحاور التالية:

-  المدح بالكرم: لام في الندى ـ زيد الندى ـ بذ الكرام ـ لا ترى كفاه للمال حرمة ـ فأيسر ذو عسر ـ أثار حروب المال بالبذل ـ جبان عن الإمساك ـ ومثرمن المعروف والبأس والندى ـ كفى البخلاء السائلين بجوده ـ فمت فالندى من غير زيد محرم ـ عطاؤك موفور ـ جودك موجود.
-  المدح بالشجاعة: لم تر قوماً حاربوه فأدركوا نجاة ـ سل الحرب عن زيد ـ ودب لها شرب من الموت مفعم ـ صافح حد البيض بيض كماتها ـ وكان عناء الخيل فيها التحمحم ـ ذم كمتي ـ واستفز مبارز ـ أرهب مرهوب  وخاطر مقدم ـ يخبرك عن زيد بحسن بلائه ظبات سيوف والوشيج المقوّم.
نلاحظ اختيار الشاعر للألفاظ الدالة على الكرم والشجاعة لم يكن اختياراً عشوائياً وإنما مدح ممدوحه بأسمى وأنبل الصفات عند العرب ولعله أستعان ببيت جرير الذي عده العرب أجود ما قيل في المدح حين قال يمدح عبد الملك بن مروان:
ألستم خير من ركب المطايا


وأندى العالمين بطون راح

ونرى أن الشاعر في مديحه بصير بمراعاة مقامات الكلام فالصفات التي يسبغ على ممدوحه يتعمد أن تكون من صفات الأشراف وعلية القوم،فيتخير الألفاظ القوية والأرفع منزلة والأعز مكانة وأصعبها مرتقى وكان ذلك واضحاً في قوله:
ولم تر قوماً حاربوه فأدركوا


نجاة ولا قوماً رجوه فأعدموا

-  وصف الخمر: أن تسقياني مدامة ـ خلطنا دماً من كومة بدمائنا ـ ويقظى يبيت القوم فيها بسكرة ـ فأغضت وللأكواس في وجه ربها لهيب.
-  الغزل: وكيف وفي وجهي من الحب معلم ـ ركبت على اسم الله بحر هو أكمد حججت مع العشاق ـ أخف الهوى ـ ألا عظمت ما باح مني من الهوى ـ شكوت إليها حبها فتبسمت ـ وكنت زماناً أجحد الناس ذكرها.
-  الفخر بالذات: بعثت لها قلباً ذكياً وفطنة ـ قول لسان صادق ليس يفحم ـ مثقفة البنيان والأس محكم ـ كما زين السلك الجمان المنظم.
يمكننا الحديث عن تقنيات تتحكم في تشكيل الألفاظ الشعرية لأي نص وذلك عن

طريق العموم والخصوص وتعتبر هذه التقنية أساسية فيمكننا حصر الألفاظ التي شكلت البناء الكلي للنص وذلك في:
بنية المدح:
تعتبر كلمتي الندى والشجاعة دلالة يتم التركيز عليها في بنية المدح التي تمتد من البيت الرابع والعشرين وحتى نهاية الأبيات أما بقية الألفاظ استعملت استعمالاً ثانوياً لهاتين الكلمتين.
الندى والشجاعة:
زيد الندى ـ أيسر ذو عسر ـ أثار حروب المال ـ عطاؤك موفور ـ جودك موجود ـ سل الحرب ـ صافح حد البيض ـ ذم كمي ـ أرهب مرهوب ـ ظبات سيوف ـ الوشيج المقوم.
فبالرغم من وجود ألفاظ تعد ثانوية في القصيدة كالتغزل ووصف الخمر والفخر بالذات إلا أننا نلاحظ  أن الشاعر قد أوجز في وصفها على اعتبار أن ليس هذا ما يسعى إليه وإنما كما قلت سابقاً ينهج نهج القدماء حيث بدأ قصيدته بالمقدمة الطلبية وربما لجأ إليها في قصيدته لإظهار حبه للمدوح ومدى إخلاصه وولائه له لكي يستعطفه ويميل إليه لهذا قلت ألفاظه في هذه الأغراض إذا ما قورنت بالشكل العام للقصيدة.
الترابط والتداعي الحر: يعد الترابط والتداعي الحر من أهم ركائز النص الشعري ودعائمه فالمعنى العادي والمتعارف عليه إذا صاغه الشاعر بطريقة متميزة اكتسب قيمة إبداعية متميزة.
ونرى في هذه القصيدة ترابط بطريقة التقابل فلقد عمد الشاعر إلى جعله موزعاً في أجزاء القصيدة وذلك لتأكيد معانيه وإيصالها إلى ممدوحه وإلى المتلقي أيضاً ليحدث جمالية تؤثر وتطبع انعكاساً إيجابياً في نفسية ممدوحه وربما نفسية المتلقي أيضاً فمن هذه المقابلة:



أأعلن              أسر                        في البيت الأول
ما باح مني          ما في ضمير القلب    في البيت الحادي عشر
حسنها              تجهم                    في البيت الثالث عشر
كتماني            الإعلان                   في البيت السابع عشر
أأرجع             أتقدم                      في البيت التاسع عشر
أيسر              عسر                      في البيت الثلاثون
الإمساك          الإعطاء                  في البيت الرابع والثلاثون

فما أراده الشاعر هنا في وضعه لهذه الألفاظ وجملها في صورت التقابل ليجنب موسيقاه الرتابة فراح ينوع فيها والتي أعطت جواً رائعاً في النص.
أيضاً لو تأملنا الألفاظ في مدحه لكرم ممدوحه عندما قال:
أثار حروب المال بالبذل والندى


فنيرانها في كل يوم تضرّم

فالشاعر يقول إن زيداً أثار وأشعل حروباً من نوع جديد وهي حروب المال والمنافسة بين أقرانه في الكرم والسخاء فنيران هذه الحروب مشتعلة كل يوم لا تنطفئ أبداً فاختياره للفظة حروب توحي بقوة في اللفظة كما نرى في قوله تضرّم ولم يقل تضرم وإنما ضعف في اللفظة دلالة على استمرارية هذه العطايا كما نجد أنها أكسبت البيت إيقاعاً قوياً وموسيقية قوية.


التراكيب:
الزمن للفعل: يعد معرفة الزمن الفعلي عنصراً أساسياً في أي نص شعري لأن هذه الأفعال لم يضعها الشاعر بصورة عشوائية وإنما يتعمد وضعها حتى تكسب مقطوعته جمالاً نستشعره من خلال هذه الأفعال ونرى في هذا النص الشعري استخدام الشاعر الأفعال المضارعة أكثر منها في الماضي أما من ناحية توزيعها بين الشاعر وممدوحه نرى أن الفعلين وزعا بطريقة متساوية نوعاً ما.
أيضاً لو تأملنا الأبيات لوجدنا أن الشاعر عندما تحدث عن شجاعة ممدوحه ذكره بفعل الماضي أكثر من المضارع كقوله: أطلت ـ أوقدت ـ دب لها ـ صافح
أما عندما تحدث عن كرم ممدوحه ذكره بفعلي الماضي والمضارع والمضارع كقوله: تسر ـ لا ترى ـ يحويها ـ وربما لم يهتم الشاعر بشجاعة ممدوحه بقدر اهتمامه بكرمه كيف لا وهو مطلبه الأساسي، ولا يعني هذا أن الشاعر لم يكن صادقاً في مدحه لزيد بن مسلم بل نرى صدق مشاعره فقد كان مسلم بن الوليد يحب زيداً كثيراً لأنه يعتبره أكرم من رآه حتى قال فيه:
أفتى حنيفة أنت أجود واحد
ما قلت في أحد سواك علمته


كفاً وأكرم من يعد فعالاً
إلا رأيت القول فيه محالا

ونلاحظ أن تجانس الفعلين (الماضي والمضارع) مع بعضهما أعطى النص دلالات جمالية وإيقاعات رائعة وذلك عندما قال:
تبلج للإشراف بيضاً وجوهها


إذا ذكرت زيداً عبيد وأرقم

ونرى أن الشاعر أختتم أبياته بجمل اسمية فقال:
عطاؤك موفور وعرفك واسع
وفعلك محمود ومجدك شامخ


وعرضك ممنوع مسلم
وجودك موجود وبحرك خضرم

فنلاحظ فيها حسن تقسيم وتطريز ولعل الشاعر أراد من هذه الجمل الاسمية بغيته فأتى بعبارات تؤكد على صفة الكرم والندى المتأصلة في زيد فكأن الشاعر ينبه الممدوح في ختام أبياته على غرضه الأساسي من نظم الأبيات وهو العطاء والمال ولقد أكسبت هذه الجمل الاسمية الأبيات تقسيمات رائعة أعطت إيقاعاً سريعاً مما زاد الأبيات جمالاً وموسيقى في غاية الروعة.
كما نرى في الأبيات تعادلاً ترادفياً وسأكتفي بذكر النموذج التالي لتأكيد ذلك.
عطاؤك موفور وعرفك واسع
نرى تعادلاً ترادفياً وذلك من خلال البنية التركيبية والنحوية حيث أن العبارتين لهما نفس التركيب كما لهما نفس الوظيفة النحوية وكلها وظفها الشاعر لتأكيد المعنى والإلحاح عليه.
فكما رأينا في الأبيات تعادلاً ترادفياً فإننا نرى في الأبيات تعادلاً تناقضياً وذلك في
جبان عن الإمساك غير تخلق


وفي البذل والإعطاء ليث مصمم

فقد ربطت بين الشطرين علاقة التناقض على المستوى الدلالي وذلك أن  الشاعر يرسم صورتين مختلفتين للممدوح تتحدد الأولى في حالة الإمساك ويتضمنها صدر البيت جبان عن الإمساك غير تخلق،وتتحدد الثانية في حالة البذل والعطاء ويتضمنها عجزه وفي البذل والإعطاء ليث مصمم فالبيتان متعادلان على مستوى البنية التركيبية:
جبان = ليث
عن الإمساك = في البذل والإعطاء
غير تخلق = مصمم
أيضاً في قوله:
ولم تر قوماً حاربوه فأدركوا


نجاة ولا قوماً رجوه فأعدموا

فقد ربطت بين الشطرين علاقة التناقض على المستوى الدلالي أيضاً فرسم صورتين مختلفتين للممدوح تتحدد الأولى في حاله مع أعدائه ويتضمنها صدر البيت ولم ترقوماً حاربوه فأدركوا نجاة، وتتحدد الثانية في حاله مع الضعفاء ويتضمنها عجزه ولا قوماً رجوه فأعدموا.
فالبيتان يتعادلان على مستوى البنية التركيبية:
لم تر قوماً = ولا قوماً
حاربوه = رجوه
فأدركوا نجاة = فأعدموا
فالشاعر جاء بهذا التناقضات ليحدث نوعاً من الموسيقية والإيقاعية في الأبيات.

الصور والأخيلة:
أما لو استعرضنا الأبيات من ناحية الصور والأخيلة نرى أن الشاعر أجاد حقيقة في دقة الوصف وتخير الألفاظ المعبرة والمؤثرة والدلالات والاستعارات والكنايات والتشبيهات الجميلة التي أثرت في الأبيات الجمالية والإبداع كقوله ( وطرفي بالهوى يتكلم) فقد شبه عينه بالإنسان الذي يتكلم وهذا على سبيل الاستعارة المكنية ويتكلم كناية عن البكاء ولعل هذا وإن صدق اعتقادي ما يعرف بتراسل الحواس ـ أيضاً في البيت الثاني عشر عندما شبه القلب بالإنسان يساعد ويعاون وحذف المشبه به على سبيل الاستعارة المكنية وأيضاً قوله: ففرقني آذيه المتلطم وعندما تحدث عن الخمر قال: فال تقتلاها على سبيل التشبيه واستخدم المجاز في قوله: ويقضى يبيت القوم فيها بسكرة وقوله: أطلت على أعدائه مخايل ودق صوبها الماء والدم،حلها البأس والندى، أثار حروب المال، تسر بوفد السائلين، ومثرمن المعروف، تبليغ للإشراف، أقام الندى كل هذه استعارات جاء بها الشاعر ليبين ويؤكد كرم ممدوحه كما نرى أنه يشيد بشجاعة ممدوحه بتلك الاستعارات والتشبيهات منها (وصافح حد البيض، يخبرك عن زيد ظبات سيوف والوشيج المقوم).
واكتفي عن تحليل هذه التعابير بالإشارة إلى ما في قوله (جبان عن الإمساك ...)
هنا يمدح الشاعر زيداً بأنه من شدة كرمه جبان لا يمسك ماله وهذا ما يسمى في علوم البلاغة المدح بما يشبه الذم فهو يمدحه بصفة الجبن وهذا مستغرب ولكننا عندما نعلم أنه جبان عن إمساك ماله نعلم أنه قمة المدح إذ هو يخاف ويجبن أن يحتفظ بماله ويمسكه فهذا الخلق ـ خلق الإمساك ـ ليس خلقه فهو في البذل والعطاء أسد مصمم، أيضاً نراه يشبه الممدوح بالليث وحذف المشبه وصرح بالمشبه به ونلحظ هنا أيضاً ضم صفة الشجاعة إلى صفة الكرم عندما وصفه بالليث.
وقوله (سل الحرب عن زيد ....) شبه الحرب بالإنسان وحذف المشبه به وهذه استعارة مكنية تشخيصية أيضاً نرى في البيت اقتباساً من القرآن وذلك في قوله جل وعلا (واسأل القرية ..)
وأيضاً قوله (حبوت بها زيداً فزينت ... ) يقول إنه لما أحسن نظم قصيدته وأتم بناءها جاء بها هدية جميلة إلى زيد بن مسلم فكانت زينة لذكره وعطراً زكياً لسيرته وحياته فقد جمعت محاسن زيد وجعلتها متناسقة مع بعضها البعض فظهر جمال هذه المحاسن كما تظهر محاسن اللآلي إذا جمعت في سلك واحد منظمة ومحكمة وهنا تشبيه لشعره بالسلك ولمحاسن زيد وصفاته باللؤلؤ. وهذه التشبيهات زينت هذه الأبيات وجعلتها تنتظم بصورة رائعة.
ونرى أن الشاعر يكون قد أدى قصيدته على الوجه الذي يريده هو فمدح ووصف وأثنى على زيد بن مسلم جميل الثناء حتى يصل إلى وفير العطاء وعلى الرغم من جمال القصيدة لم تسلم قصيدة مسلم بن الوليد مما يعيبها وذلك في قوله:
حججت مع العشاق في حجة الهوى

وإني لفي أثواب حبك محرم

فالشاعر بالغ مبالغة كبيرة حيث جعل العشاق جميعاً يحجون حجة تسمى حجة الهوى وهو قد حج معهم هذه الحجة لكنه لم يتحلل من إحرامه حتى الآن فهو ما زال محرم بملابس حبها وفي رأي أعتبر هذا البيت من الأخطاء الشرعية التي وقع فيها الشاعر لأنه أدخل الحب والعشق في أمور الدين والعبادة كالحج.
وفي قوله:
يقولون لي:أخف الهوى لا تبح به


وكيف وطرفي بالهوى يتكلم

وبين قوله:
وكنت زماناً أجحد الناس ذكرها


فكذبني دمع من الوجد يسجم

نلاحظ أن الشاعر يناقض نفسه فهو يقول أن من حوله يقولون أخف حب محبوبتك ولكنه لا يستطيع لأن دمع عينه يفضحه ثم يعود ويقول كنت جاحداً حبها فكذبني دمع عيني.
كذلك لو قورن كلامه في مطلع القصيدة عندما قال:
أأعلن ما بي أم أسر فأكتم


وكيف وفي وجهي من الحب معلم

ومن هذا كله نجد في القصيدة ألواناً مختلفة من البديع فالشاعر من الشعراء الذين اهتموا بالبديع وجودها حتى تأثر به كثير من الشعراء الذين جاءوا بعده مثل: أبي تمام ولعل مسلم أكثر من البديع تلبية لحاجات الحياة العباسية لتمثل هذه الألوان البديعية التي تتناسب مع حياة الترف والرفاهية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة