لغتنا الجميلة
قصيدة تحت الضوء
يقول البعض :
.. ان اشتقاق لفظة " الشعر " من العلم و الادراك و الفطنة .
و قد سمى العرب الشاعر باسم شاعر لآنه يشعر بما لا يشعر به غيره
و أما كونهم سموا الشعر " قريضا " فلأن اشتقاقه من القرض ، و هو القطع ، لأنه يُقرض من الكلام قرضا . أي يقطع منه قطعا ، كما يُقرض الشيء بالمقراض .
و أما القصيد ..
فهو جمع قصيدة .. مثل سفين ، جمع سفينة ،
فانما اشتُقت من القِصدة .. وهي القطعة من الشيء ، اذا تكسر كأنها قطعة من الكلام
و أما تسميتهم القصيدة " قافية "
فلأن القافية تقفو البيت ، أي تتبعه
و سمي حرف الروي رويا .
- لأنه من الرواء .. وهو الذي يشد على الأحمال و المتاع ليضمها
و الشعر يحتاج الى مقومات و آلات يستند عليها منها :
النحو .. و اقامة الوزن .. و القوافي .. و البلاغة و الفصاحة .. و الحقيقة و المجاز .. و التجنيس و الطباق .. و غيرها مما يسمى بالمحسنات أو البديع
و يعتبر العرب أن البيت من الشعر ، كالبيت من الأبنية .. قراره الطبع ، و سمكه ( من سمك : أي رفع ) الرواية ، و دعائمه العلم ، و بابه الدربة ، و ساكنه المعنى ،. و لا خير في بيت غير مسكون .
واذا كانت الألفاظ هي الأجساد .. فان المعاني أرواحها .. و لا خير في جسد خلت منه الروح .
قال أبو عبدالله وزير المهدي
خير الشعر ما فهمته العامة ، و رضيت عنه الخاصة .
هذا ما أحببت أن اشير اليه قبل استعراضنا هذه الدرة .. و اللؤلؤة الشعرية .. و النجفة المضيئة .. و علينا أن نبحث و نستكشف ما فيها من لآلئ .. و ما تحتويه من صور شعرية جميلة .. و استعارات رائعة .. و مدى البلاغة التي تحتويها أبياتها
و لا ننسى أن نشير الى هذه القافية الرائعة التى اختار لها ناظمها رويا قل من استعمله من الشعراء مما يشير الى براعة الشاعر
فهو شاعر متمكن يملك ناصية القوافي ويستحوذ أعنة حرفه .. مما مكنه من ادارة دفة قصيدته
شاعرنا لهذا اليوم
الشاعر الرائع
د. رشيد هاشم
و قصيدته من المتنقارب
(في اليمن)
فلنبحر في لجتها .. و لنغص في أعماق مياهها .. نستخرج منها ثمينها .. و نتلقف دررها
اليكم القصيدة .. فتمتعوا .. و لا ننسى أن نشير الى ما أعجبكم من صور بيانية جميلة و استعارات موفقة أو ما لفت نظركم من تشبيه بليغ .. أو محسن بديعي .. أو حكمة جميلة مفيدة
و مما لاحظته في هذه القصيدة ..
أنها تكاد تخلو من حشو غير مفيد ..
و ارى أن الحشو في القصيدة في بعض الأحيان .. لا يقل عيبا عن الخلل العروضي .. ذلك أن الشاعر .. قد اضطر الى وضع كلمة لا فائدة منها .. لاكتمال الوزن و تصحيحه .. مما يضعف النص و يؤثر على ما فيه من بلاغة
و لا بد أن اشير الى بيت في هذه القصيدة أعجبني كثيرا و هو .. على سبيل المثال .. فالقصيدة تزخر بأمثاله في قوله :
فيومـاً يصـادفني ما رضِيْــتُ ... ويوماً أصادفُ ما لستُ أرضـى
لننظر الى روعة هذا البديع في لفظتي .. رضيت .. في الصدر .. و أرضى في العجز
و نرى كيف صدر الشاعر لفظة رضيت في عجز البيت وردها الى صدره فكان لها و قعها الجميل .. و هذا ما يسمى في علم البديع بالتصدير .. أو الترديد .. وهو أحد المحسنات البديعية .. و هي أن يورد الشاعر لفظة معينة في صدر البيت ثم يوردها في عجزه
وهو ما منح البيت جمالا و روعة
و لاشك ان القصيدة تحفل بأمثال هذا البيت .. و عليكم اكتشافها
مع تمنياتي لكم جميعا بالتوفيق
و سننظر في أجمل اختياراتكم .. لنكرم أصحابها
هاكم .. القصيدة
في اليمن
لقد سرتُ في الأرضِ طُولاً وعُرضا
فآنستُ أرضاً وغادرتُ أرْضا
فيومـاً يصـادفني ما رضِيْــتُ
ويوماً أصادفُ ما لستُ أرضـى
فيومٌ على القلبِ حُبّاً وخيــراً
ويومٌ على النفس نهشاً وعضّـا
ويومٌ يمُرُّ ويقضي سريعــــاً
ويومٌ أكابدهُ ليس يُقضــــى
إذا ما وجدتُ قلوباً صِحاحــاً
أقَمْتُ .. وغادرتُ إنْ كُنَّ مرضى
ترى بعضَهمْ للغريبِ لطيفاً
وآخَرَ نحو العداوةِ حَضّا
فَمَنْ لم يكنْ فيه عقلٌ رشيــدٌ
يرَ الخُلْقَ والعيشَ والناسَ فوضى
ألِينُ لمـن لانَ لي غيرَ أنّـــي
على كُلِّ خَشْنٍ مِنَ السيفِ أمْضى
فيحسـبُ ذو اللـؤمِ أنّـي لئيمٌ
فيلقى بنهجيَ كسراً وَرَضّـا
ولكنْ يراني الكريمُ كريماً
و نضّاً وإنّي أرى فيه نضّا
فأُكْرَمُ عنـد الكريمِ وألقـى
بذي اللؤمِ طَرْفاً عن الخير غُضّا
وكُلٌّ قَنوعٌ بخُلْـقٍ لديهِ
لذلك بعضٌ يخالفُ بعضـا
وهل يأكلُ الخيرُ والشرُّ عَزْمي ؟
وإني اقترضتُ التغـرُّبَ قَـرْضـا
رأيتُ الحقائقَ عند ارتحالي
وكم كنتُ أهوى التفكُّرَ مَحْضا
وما الظنُّ مِثْلَ اليقـينِ بشــيءٍ
ولا حين تُفْضي إذا الشيءُ أفضى
فيوماً سكنـتُ الجبالَ العوالــي
ويوماً مِنَ الأرضِ سَهلاً ورَمْضا
حَلَلْـتُ بأرضٍ يمانيّـــةٍ لا
تهونُ لعَرضٍ إذا رُمْتُ عَرضـا
فسُكّـانها في أعـالي الجبــالِ
كأنهمُ عشِقـوا العيشَ رَبْضــا
وقـد سكنَ النَّسرُ تحت الديــارِ
وبينهـمُ الغيـمُ مشياً وركضـا
ومِن تحتـها الغيـمُ كالبحرِ يبـدو
ومِن فوقها بَثَّ رعْداً وَوَمْضــا
ففـوقَ السحابِ وبـينَ السحابِ
وتحت السحابِ بدا العيشُ بَضّـا
ففصـلُ الشـتاءِ ترى الدفءَ فيهِ
فما البردُ مضجعَهُمْ قد أقضّــا
وفي الصيـفِ أمطارُهـا تتهاوى
فينقبـضُ الحرُّ عنهنَّ قبْضــا
ربيـعٌ مـدى العـام لا البردُ فيها
شتاءً ولا الحرُّ قد زارَ قَيْضــا
وتحلـو الحـياةُ علـى أي حـالٍ
بخِلٍّ يُنِيلُ العـداوةَ غُمْضا
فأجمـلُ عَيشٍ - على ما أراهُ -
بأن لا يرى المرءُ كُرهاً وبُغْضا
--
د رشيد هاشم الفرطوسي —د. رشيد هاشم.
تعليقات
إرسال تعليق