لغتنا الجميلة
في الشعر .. مقوماته و أركانه
البحث السابع
سيكون بحثنا اليوم في
المجاز .. و الألفاظ و المعاني
أولا : في المجـــاز :
كثيرا ما استعملت العر ب المجاز ، وكانت تعده من مفاخرها ، فانه دليل الفصاحة ، و رأس البلاعة ، و به بانت لغتها عن سائر اللغات .
و معنى المجاز ..
طريق القول و مأخذه . و هو مصدر جزت مجازا ..
كما تقول قمت مقاما ، و قلت مقالا .
و المجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة ، و أحسن موقعا في القلوب و الأسماع . و صار التشبيه و الاستعارة و الكناية و غيرهما من محاسن الكلام ، داخلة تحت مفهوم المجاز
قال جرير بن الخطفي من الوافر و القافية من المتواتر :
اذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه و ان كانوا غضابا
أراد المطر لقربه من السماء .
و يجوز أن يريد بالسماء السحاب ، لآن كل ما أظلك فهو سماء ،
و قال سقط .. يريد سقوط المطر الذي فيه ..
و قال رعيناه ، و المطر لا يرعى و لكن النبت الذي يكون عنه ، فهذا كله مجاز .
و مثال على المجاز أيضا قوله تعالى :
" و اسأل القرية " .. أي اسأل أهل القرية
و قوله تعالى :
" و أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم " .
و قوله :
" و الله خير الماكرين "
و انما سمى ذلك مكرا لأنه مجازاة عن مكر .
و كذلك قوله :
" فبشرهم بعذاب أليم " ..
و العذاب لا يبشر به .
و قوله تعالى عن آدم و حواء :
" فلما تغشاها "
كناية عن الجماع .
و من أناشيد هذا الباب قول الفرزدق من الكامل و القافية من المتواتر :
و الشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيـــح بجانبيــــه نهــــار
و العرب تقول :
بأرض فلان شجر قد صاح .. أي طال .
و قال ابن السكيت :
لما تبين الشجر بطوله ، و طل على نفسه ، فكأنه صائح ، الصائح يدل على نفسه .
و القرآن الكريم و الشعر العربي زاخران بأمثال ذلك من المجازات الرائعة .
نكتفي بهذا ..وسيكون لنا تتمة ان شاء الله .
*****
ثانيا : في الألفاظ و المعاني :
قيل :
اللفظ جسم ..
و الروح المعنى ,
و ارتباطه به ، كارتباط الروح بالجسد ،. يقوى بقوته ، و يضعف بضعفه .
و من الناس من يفضل اللفظ على المعنى ، فيجعله غايته و كده ، يذهبون الى فخامة الكلام و جزالته ، على مذهب العرب من غير تصنع ..
كقول بشار بن برد من الطويل و القافية من المتدارك :
اذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
اذا ما أعـــــرنا سيدا من قبيلة ... ذرى منبر .. صلى علينــــا و سلما
وهذا النوع ، أدل على القوة ..
و ما مدح به الملوك و أصحاب الشأن ، يجب أن يكون على هذا النحت .
و هناك فئة من أصحاب الجلبة و القعقعة بلا طائل معنى ، الا القليل النادر .
يقول القاسم بن هانئ الأندلسي ، من الطويل :
أصاخت فقالت وقع أجرد شيظم ... و شامت فقالت : لمع أبيض مخذم
و ما ذعــرت الا لجـــرس حليّها ... و لا رمقت الا بـــــرىً في مخــدّم
فانك لا ترى في ذلك الا الفساد ، و خلاف المراد ..
و الا فما هي الفائدة أن التي تغزلت بها .. أكانت لبست حليها فتوهمته بعد الاصاخة و الرمق .. أكان وقع فرس ، أو لمع سيف ؟!
غير أنها مغزوة في دارها ، أو جاهلة بما تحمل من زينتها ؟ّ
غير أن أبا القاسم هذا مع صنعة طبعه ، فاذا أخذ بالحلاوة و الرقة ، و عمل على طبعه و سجيته ، فقد دخل في جملة الفضلاء .
و يقع له أحيانا من الكلام المصنوع و المطبوع أشياء جيدة ،
كقوله في المطبوع يصف شجعانا .. من الكامل و القافية من المتدارك :
لا يأكل السرحان شلو عقيرهم ... مما عليه من القنا المتكسر
والسرحان : الذئب و العقير منهم .. أي القتيل يوصف بالشجاعة .. لم يمسِ لشجاعته حتى تتحطم عليه من الرماح بما لا يستطيع الذئب معها الوصول اليه لكثرة هذه الرماح .
و هذا معنى رائع .
و لو أن العقير هم الذين عقروه .. لكان هجوا لهم لا مدحا .. لأنهم تكاثروا على واحد .
و من الناس من يؤثر المعنى على اللفظ .
فيطلب صحته ، و لا يبالي باللفظ أكان هجينا أم قبيحا أم خشنا
و ان أكثر الناس هم على تفضيل اللفظ على المعنى .
و قالت العلماء :
اللفظ
أغلى من المعنى ثمنا ، و أعز مطلبا ..
فان المعاني موجودة في طباع الناس ، يستوي فيها الجاهل و الحاذق ،. و لكن الأصل هو العمل على جودة الألفاظ ، و حسن السبك ، و صحة التأليف .
و قد مثّل ابن وكيع المعنى بالصورة ،
و اللفظ بالكسوة ،.
فان لم تقابل الصورة الحسناء ، بما يشاكلها و يليق بها من اللباس ، فقد بخستها حقها ، و تضاءلت في عين مبصرها
يقول ابن رشيق :
و للشعراء ألفاظ معروفة ، و أمثال مألوفة ، لا ينبغي للشاعر أن يعدوها ، و لا أن يستعمل غيرها ، الا أن يريد الشاعر أن يتظرف باستعمال لفظ أعجمي ، فيستعمله في الندرة ، كما فعل الأعشى و أبو نواس
فلا بأس في ذلك .
أما الفلسفة و جر الأخبار ،
فله باب آخر غير الشعر ،
فان وقع شيء منها فبقدر ،
و لا يجب أن يجعلا نصب العين ، فيكونا متكأ و استراحة ،.
و انما الشعر ما أطرب و هز النفوس ، و حرك الطباع ،.
فهذا هو باب الشعر الذي وضع له ، و بني عليه ، لا ما سواه .
*****
خالد ع . خبازة
اللاذقية
المراجع عدد من كتب التراث


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة