السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

من روائع ألنتر عيون نختار أجملها واليوم اخترنا لكم رائعة : (عذاباتٌ جميلة ) من العيون الشاعر ا لأ ديب القدير : ا لأستاذ : *عبد الله سكر ية.. *
لتكونا إحدى عيون الشعر فمبارك لنا به . ومبارك له الإحتفاء بحرفه. الشاهق الهادرف . شاعر متمكن من ادواته الأسلوبية يجيد صياغة الحرف باتقان فنان الشاعر ا لأ ديب محترف مكثُر مجيد حكيمٌ .فلنقرأ معاً هذه الرائعة : * .. عذاباتٌ جميلة
الديوان الادبي ; عبد الله سكر ية..
............... عذاباتٌ جميلة .
...... كم كان فرح الفتى عظيمًا، حينما تسمحُ له الصّدفةُ أن يذهبَ أو يعودَ في سيارةٍ لأحدِ ما، فيوفّرَ على نفسٌه تعبَ ووحشةَ الطّريق!
....وكم يكون الهمّ كبيرًا إذا، لسببٍ أو لآخرَ، ذهب أو عاد من المدرسة دون رفيقٍ يؤانسُه ويتشجّعُ به؟ ويكون أعظمَ حينما يذهبُ لزيارةٌ أهله أيّامَ العطلةِ، وينتظر ساعاتٍ أحيانًا، ليأنسَ بسيّارة تقلّه، أو يتّجهُ صعُدًا سيرًا على الأقدامِ في عالمٍ موحشٍ ،لا بشرَ فيه ولا إنسانَ، والطّريقُ طويلةٌ ومفزعةٌ، ويذعنُ الصّبيُّ، لأنّه مرَّ بما هو أصعبُ، بل أخطرُ من ذلك، يومَ أن كانتِ الرّياحُ من الشدّةِ والقوّةِ، ما جعلها تشيلُ الأشجارَ، وتزيلُ الحواجزَ، وترمي الجدرانَ، وتأخذُ معها سقوفَ المزارعٌ المنتشرةِ في المنطقة، فتروحُ ألواحُ التوتياءٌ تطيرُ في أجواءِ البلداتِ كأنّها أوراقُ أشجار!. ويذهبُ الفتى إلى المدرسة، ويرى الناظرَ فيها، ويتلقّى منه مجموعةً من الإهاناتِ مصحوبةً بالدّهشةِ على وصولِه سالمًا وكأنّه يريدُ أن يعرفَ من أين أتى هذا الصبيّ بجرأةٍ تجعلًه يخرجُ من بيتِه يومَ ذاك؟
تُرى لو كان هذا الفتى في أحضانِ والدَيه ؟ أيتركانه يخاطرُ وهو ذاهبٌ إلى مدرسةٍ بعيدةٍ في يومٍ عاصفٍ، كهذا اليومٌ؟ والطّريفُ أنّ المدرسةَ انتظرتْ مجيءَ طلّابها ولكنْ... عادتْ وأقفلتْ أبوابَها... ويمرّ الفتى في عودتِه ، وهو يصادمُ الرّيحَ، متحايلًا على قوّتِها، على خالتِ أمِّ حسين ،لتستقبلَه وتطعمَه بيضًا مقليًّا ولبنًا صافيًا، وتسألُه عن أمّه، أختِها من أبيها، وهي الخالةُ التي احتضنتْه يومًا، فبات ليلتَه عندها، ويذكرُ أنّ لصوصًا حاولوا سرقة ماشيةِ يملكونها، وقد استطاع أبو حسين زوجُها يومَها بيقظتِه منعَهم من ذلك.
// ولم ينسَ يومًا، كان ذاهبًا فيه إلى مدرسته عبرَ الطريقِ الرئيسيّةِ، وهو مسرورٌ مغتبطٌ، وقد امتطى درّاجتَه المهترئةَ العتيقةَ ، وتركها تنحدرُ بسرعةٍ مجنونةٍ ، ما كانتْ لتتناسبَ مع الليراتِ الأربعٌ التي اشتراها بها ،أنّه فوجىءَ على المنعطفِ في آخرِ المنحدَر ٌ بثلاثةِ حميرٍ محمّلةٍ حطبًا سدَّتْ أمامَه الطريقَ الرئيسيّة ! فيَامنَ ليتّقيَ الموتَ ، وفي فسحةٌ من الأرضٌ ملأتّها الحصى ، رأى نفسَه مرميّـّا على بعدُ أمتارٍ من درّاجتهِ، وقد تعفّرَ وجهُه ،وصدرُه ،وبطنًه ،وساقاه بترابٍ أبيضَ، والتصقتّ بعضُ حبّاتِ الحصى على وجههِ وثيابِه، وكان أحسّ بأنّ جسدَه تفَتّتَ أو تكسّر، غيرَ أنّه نفضَ ما عليه، مخبّئًا أوجاعَه ،وأكملَ طريقَه على درّاجةٍ لا كابحَ لها، ولا عجلاتٍ ،فاضطُرَّ في وسط الطريق أن يجرّها ومحفظةَ كتبه ،حتى وصل الى المدرسة، وراح يشرح للناظرِ ما أصابه مبرّرًا سببَ تأخرِه عن رفاقِه.
وهو أمرٌ تكررَ معه حينما تدهور بلا دراجةٍ من علوّ أربعةٌ أمتارٍ، وقد تقنطر رأسًا على عقبٍ، واستقرّ قربَ السّاقيةِ في منطقةٌ رأسِ العين، رأى نفسَه بعدَها، قد ملأتّه الرّضوضُ والجروحُ، ولفّت جسَده من كل جانبٍ،(والله لطيفٌ بعبادِه). وفي كلّ مرّة كان يتعرّضُ فيها لأذيّةٍ أو لمرضٍ كانتْ خالته أمّ أكرم تهتمُّ له، وتقدّمُ له ما تستطيعُ تقديمَه، وكانَ هو يأنسُ وبصمتِ..
وحصل أن سكن معه أخوه، في بيتٍ استأجراه قريبًا من بيتٌ خالتِه، والبيتُ ليس أهلًا للسّكن، إذ إنّه بلا مطبخِ ولا مغسلةٍ ولا مرحاضٍ، ولم يكن أمرُ السّكن ليطولَ، فانتقل الأخوان إلى "علّيّة" أمٍ أكرم وهي التي لا نوافذَ فيها تمنعُ الصّقيعَ أوِ الرّيحَ، ولا سقفَ يُعتنى به، فيمنعُ حبّاتِ المطرِ تتسرّبُ من مسامّهِ ،وتسقطُ على النّائمٌ أنّى يحلو لها... وحتمًا، ليس من تدفئةٍ ، ولا ما يعوّضً عنها من فرُشٍ أو أغطيةِ.
سنةٌ مضتّ على هذا المنوالِ ،عاد أخوه من حيثُ أتى، وبقيَ هو يتناوبَ العيشَ مرّةً عند أخوالِه، وأخرى يعودُ إلى خالته ،إلى أن انتهتْ مرحلةً الدّراسةِ الإعدادية بأنْ فاز في الشهادةِ المتوسّطةِ مع ثمانيةٍ من رفاقِه! وكان فوزًا فرحتْ له المدرسةُ أوّلًا، كما فرح له الأهلُ والأقاربُ.
وتبقى أمُّ أكرم هي الفرِحةُ الأولى لفرحِه ، كما اغتمّتْ من أجلهِ غيرَ مرّةٍ ، وبقيتْ على محبّتِها له، واهتمامِها به، كُتبتْ لها الحياة، ويبقى هذا الصبيُّ الغريبُ ممتنًّا لها، ويشعرُ أنّه لم يفِ خالتَه حقّها، وإن قال يوما: لولا أنّ والدتَه على قيدِ الحياةِ، لكانتْ أمُّ أكرم هي الوالدةَ الرّديف.
عبد الله سكر ية..



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة