1. .10 2022   

لغتنا الجميلة
الشعر .. أحكامه و مقوماته
البحث التاسع
مقاطع الشعر و مخارجه
جاء في كتاب " العمدة ... " لابن رشيق :
اعلم بأنك
متى ما نظرت بعين الانصاف ، و قطعت بحجة العقل ، علمت أن لكل ذي فضل فضله . و لا ينفع المتقدم تقدمه ، و لا يضر المتأخر تأخره .
فأما من أساء النظم و لم يحسن التأليف ، فكثير ،
كقول القائل ( أحد بني جديس ) :
شرَّ يوميها و أغواه لها ... ركبت عنز بحدجٍ جملا
شر يوميها نصبٌ على المحل ، و انما معناه ركبت عنز جملا بحدج في شر يوميها . و كقول الفرزدق :
و ما مثله في الناس الا مملكا ... أبو أمه حيٌ ، أبوه يقاربه
معناه :
ما مثل هذا الممدوح في الناس الا الخليفة الذي هو خاله ، فقال :
أبو أمه حي أبوه يقاربه .
فبعّد المعنى القريب ، ووعّر الطريق السهل ، و لبّس المعنى بتوعر اللفظ و قبح البنية ، حتى ما يكاد يفهم .
و مثل هذا أيضا ، الا أنه أقرب الى الفهم ، قول القائل :
بينما ظل ظليل ناعم ... طلعت شمس عليه فاضمحل
يريد : حتى طلعت شمس عليه .
و مثله قول الآخر :
ان الكريم و أبيك يعتملْ ... ان لم يجد يوما على من يتكلْ
يريد : على من يتكل عليه .
و الأعشى حيث قال ( في المخبأة )
لم تمش ميلا و لم تركب على جمل ... و لم تر الشمس الا دونــــها الكلل
و أبين منه قول النابغة :
ليست من السود أعقابا اذا انصرفت ... و لا تبيــع بأعلى مكـــة البَرَما
و قد حذا حذو النابغة بعض المبرزين من أهل العصر ،
فقال :
ليست من الرُّمض أشفار اذا نظرت ... و لا تبيع بفـــوق الصخرة الرغفا
فقيل له :
ما معناك في هذا ؟ .
فقال :
هو مثل النابغة ،
و أنشد البيت .
و قال : ما الفرق بين أن تبيع البرم ، أو تبيع الرغف ، و بين أن تكون رمضاء العينين ، أو سوداء العقبين ؟! .
و انظر الى سهولة معنى الحسن بن هانئ ، و عذوبة ألفاظه ، في قوله :
حذر امرئء ضريت يداه على العدا ... كالدهر .. فيه شراسة و ليـــــان
و الى خشونة ألفاظ حبيب الطائي ( أبي تمام ) في هذا المعنى .. حيث يقول :
شَرَسْتَ بل لنتَ بل قابلت ذاك بذا ... فأنت لا شك .. فيك السهل و الجبــل
و قد يأتي من الشعر ما لا فائدة له و لا معنى ،
كقول القائل :
الليل ليل ، و النهار نهار ... و الأرض فيها الماء و الأشجار
و قال الأعشى :
انّ محلا و ان مرتحلا ... و ان في السفْر اذ مضى مَهَلا
و قال ابراهيم الشيباني الكاتب :
" قد تكون الكلمة ، اذا كانت مفردة حوشية بشعة ، حتى اذا وضعت في موضعها ، و قرنت مع أخواتها ، حسنت " .
كقول الحسن بن هانئ :
" ذو حصر أفلت من كر القبل "
و الكر .
كلمة خسيسة ، و لا سيما في الرقيق و الغزل و النسيب
غير أنها لما وضعت في موضعها حسنت .
وهناك بعض الألفاظ التي تخرج عن معنى الشعر لفظة " أيضا "
ما وردت في بيت الا أفسدته ، ما لم تكن في موضعها الصحيح
و كذلك . فالكلمة الرقيقة العذبة ، ربما قبحت و نفرت اذا لم توضع في موضعها ،
كقول بعضهم :
رأت رائحا جونا فقامت غريرة ... بمسحاتها جنح الظلام تبادره
فأوقع الجافي الجلف ، هذه اللفظة غير موضعها ، و بخسها حقها حين جعلها في غير مكانها حقا ، لأن المساحي ( جمع مسحاة ) لا تصلح للغرائر .
و يقول ابن رشيق :
و اعلم أنه لا يصلح لك شيء من المنثور و المنظوم الا أن يُجرى منه على عِرق ، و أن يتمسك منه بسبب .
فأما ان كان غير مناسب لطبيعتك ، و غير ملائم لقريحتك ، فلا تنضِ مطيتك في التماسه ، و لا تتعب نفسك في ابتغائه ، باستعارتك ألفاظ الناس و كلامهم ، فان ذلك غير مثمر لك ، و لا مجد عليك ما لم تكن الصناعىة ممازجة لذهنك ، و ملتحمة بطبعك .
و اعلم أن
من كان مرجعه اغتصاب نظم من تقدمه ، و استضاءته بكوكب من سبقه ، و سحب ذيل حلة غيره ، و لم تكن معه أداة تولد له من بنات ذهنه و نتائج فكره ، الكلام الجزل و المعنى الحفل .. لم يكن من الصناعة في عير و لا نفير .. و لا ورد و لا صدر ..
على أن .. سماع كلام الفصحاء المطبوعين ، و درس رسائل المتقدمين ، هو على كل حال مما يفتق اللسان ، و يقوي البيان ، و يُحد الذهن ، و يشحذ الطبع ، ان كانت فيه بقية ، و هناك خبيّة .
و اعلم أن
العلماء ، شبهت المعاني بالأرواح
و الألفاظ بالأجساد و اللباب .
فاذا كتب الكاتب البليغ المعنى الجزل ، و كساه لفظا حسنا ، و أعاره مخرجا سهلا ، و منحه دلاّ مونقا ، كان في القلب أحلى ، و للصدر أملا .
و لكنه بقي عليه أن يؤلفه مع شقائقه و قرنائه ، و يجمع بينه و بين أشباهه و نظائره ، و ينظمه في سلكه كالجوهر المنثور ، الذي اذا تولى نظمه الناظم الحاذق ، و تعاطى تأليفه الجوهري العالم ، أظهر له باحكام الصنعة ، و لطيف الحكمة ، حسنا هو فيه ، و كساه و منحه بهجة هي له .
و كذلك ،
كلما احلولى الكلام ، و عذب و راق ، و سهلت مخارجه .. كان أسهل ولوجا في الأسماع ، و أشد اتصالا بالقلوب ، و أخف على الأفواه ،. لا سيما اذا كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق شريف ، لم يسمه التكلف بميسمه ، و لم يفسده التعقيد باستهلاكه ،
كقول ابن أبي كريمة :
قفاه وجه و الذي قفاه ... مثل قفاه يشبه الشمسا
فهجّن المعنى بتعقيد مخرج الألفاظ .
و أخذه الحسن بن هانئ ، فأوضحه و سهله ، حيث قال :
بأبي أنت من غزال ... بزّ حسن الوجوه حسن قفاكا
و كلاهما أخذه من حسان بن ثابت حيث يقول:
قفاؤك أحسن من وجهه ... و أمك خـــــير من المنذر
و قد يأتي من الشعر في طريق المدح ، ما الذم أولى به من المدح ، و لكنه يحمل على محمل ما قبله و ما بعده .
و مثله قول حبيب :
لو خر سيف من العيوق منصلتا ... ما كان الا على هاماتهم تقع
( و العيوق : اسم نجم في السماء ) .
و هذا لا يجوز ظاهره في شيء من المدح ،
و انما يجوز في الذم و النحس ،.
لأنك لو وصفت رجلا بأنه أنحس الخلق ، لم تصفه بأكثر من هذا .
و ليس للشجاعة فيه وجه . لأن قولهم :
" و لو خر سيف من السماء لم تقع الا على رأسه " .
هذا رأس كل نحس .
*****
خالد ع . خبازة
اللاذقية
من كتاب العمدة .. لابن رشيق
وعدد من كتب التراث

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة