* تأملات في كتاب الله عز وجل:
# تفسير سورة الفاتحة
البسملة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على حبيب الله الأمين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الغرّ الميامين.
سورة الفاتحة مكية، ويؤيِّد هذا قوله تعالى في سورة الحِجْر: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي)، والحِجْر مكية بإجماع، وهي أول سورة نزلت كاملة في مكة وذلك بعد فرض الصلاة. سميت سورة الفائحة (فاتحة الكتاب) لأنه يُبدأ بكتابتها المصحف، ويُبدأ بقراءتها في الصلاة، كما سُمِّيت (أم الكتاب) لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى، والتعبُّد بالأمر والنهي والوعد والوعيد، مع الاستعانة بالله تعالى، وعلى ما فيها من ذكر الذات والصفات والأفعال، واشتمالها على ذكر المبدأ والمعاد. وسُميَّت (السبع المثاني) لكونها سبع آيات، ولأنها مما أُثنى به على الله تعالى، وتُثنَّى في كل صلاة، وقيل بأنها سُمِّيت بالسبع المثاني لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أحدٍ قبلها ذخراً لها. وهي سبعة آيات بالبسملة إذا كانت منها، والسابعة (صراط الذين) إلى آخرها، وإن لم تكن منها فالسابعة (غير المغضوب) إلى آخرها.
اختلف أهل العلم في البسملة، فقيل: هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، وقيل: هي آية من أول كل سورة، أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها، وقيل: إنها ليست بآية في الجميع، وإنما كتبت للفصل، وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل.
وإذا كانت البسملة آية من سورة الفاتحة، فإنه يُقدَّر في أوَّلها (قولوا) ليكون ما قبل (إياك نعبد) مناسباً له بكونها من مقول العباد. ومعاني كلمات البسملة هي: (بِسم): أبتدئ باسم الله مستعيناً به، وأيضاً: بذكر الله وتسميته أبدأ وأقرأ. (الله): علم على الربّ تبارك وتعالى المعبود بحقٍّ دون سِواه، وهو لم يُطلق على غيره تعالى، وأصله (الإله)، وكان قبل الحذف يقع على كل معبودٍ بحقٍّ أو باطل، ثم غلب على المعبود الحقّ. (الرحمن): فَعْلان من الرحمة، ومعناها الرقة، ولا يُسمى بهذا الاسم غيره سبحانه وتعالى، فالرحمن هو ذو الرحمة العامة الواسعة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، فهو تعالى الرحمن بذاته. (الرحيم): ذو الرحمة الواصلة، فهو يرحم برحمته من شاء من خلقه ومنهم المؤمنين من عباده، والرحيم: الرفيق، من الرفق. و(الرحمن) و(الرحيم) اسمان من أسمائه تعالى مشتقان من الرحمة، فهما يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى، و(الرحمن) أشدّ مبالغة من (الرحيم).
أقول وبالله التوفيق:
1. من رحمته تعالى أنه قال (بسم الله الرحمن الرحيم)، فلو أنه قال (بسم الله الجبار المتكبر) لأحْرَقَنَا جلال الجبروت والكبرياء، ولو أنه قال (بسم الله اللطيف الحنان المنان) لذَوَّبنا جمال اللطف والحَنَانَة والمِنَّة، ولكن في قوله (الرحمن الرحيم) نجاةٌ من إحراق الجلال واستتارٌ بالحُجُبِ من الغرق فيِ الجمال.
2. ومن رحمته عزَّ وجلّ أنه قال (بسم الله) ولم يقل (بالله). فكان التجلي منه في مقام تعريفه لنا بـ (اسمه) الجامع لا بـ (ذاته) المُقدَّسة، إذ لا طاقة لمخلوقاته، في عالم الغيب أو الشهادة، أو في عالم الحِسِّ أو المعنى، بتجليه ذاتاً عليها تبارك وتعالى.
3. والباء في قوله (بسم) متعلقة بمحذوفٍ تقديره: بسم الله مبدأ كلّ شيءٍ ومجراهُ ومرساهُ. و(الله) اسمٌ علمٌ دالٌّ على ذات الله، وهو الاسم الأعظم الحاوي للأسماء كلها، ومعناه أنه المعبود بحقّ، ولا يجوز حذف الألف واللام منه كما تُحذف من اسمه (الرحمن) أو (الرحيم) أو (الملك) مثلاً.
4. و(الرحمن) مبالغةٌ في الرحمة العامة، و(الرحيم) مبالغةٌ في الرحمةِ الخاصَّة. والرحيمية مُخصِّصةٌ ومُفصِّلةٌ ومُفسِّرةٌ للرحمانية، وفي قوله (الرحمن الرحيم) تقديمٌ للعام على الخاص، وتصديرٌ للمُجمَل على المُفَصِّل، ووقوفٌ على المُفسَّر والمُأوَّلِ قبل التفسير والتأويل. وهذا معمولٌ به حتى في البحوث العلمية، ويُفهمُ معناه إشارةً من قول نبيِّنا صلوات الله تعالى وسلامه عليه (كبِّروا كبِّروا). والكبرياء الأتمّ والعموم الأعظم والإجمال الأفخم يتجلَّى في اسمه تبارك وتعالى (الله)، فهذا الاسم الشريف فيه الإنفراد بمقام الرحمانية بالنسبة لبقية أسمائه تعالى، وأسماؤه الأخرى، تقدَّس وتعالى وتنزَّه، تأتي بعده جميعاً تخصيصاً وتفصيلاً وتفسيراً في مقام الرحيمية.
5. الحق تبارك وتعالى لم يفصل بين رحمانيته ورحيميته. فهو عزَّ وجل لم يجعل بين رحمانيته ورحيميته حرف عطف مثلاً، فلم يقل جلَّ وعلا (بسم الله الرحمن "و" الرحيم)، ولم يقل (بسم الله الرحمن "ثم" الرحيم)، ولم يقل (بسم الله الرحمن "وبعد ذلك" الرحيم)؛ بل اتصلت رحمانيته برحيميته، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ كل درجة يدركها المؤمن إنما هي رحمانية لما بعدها رحيمية لما قبلها، فدرجة (الإسلام) هي رحمانية لدرجة (الإيمان)، ودرجة (الإيمان) هي رحيمية من درجة (الإسلام) ورحمانية لدرجة (الإحسان)، ودرجة (الإحسان) هي رحيمية من درجة (الإيمان)، ولا نهاية لفضل الله. وكذلك درجات النبوة، ودرجات الولاية. فسبحان الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية. والفتوح والإشراقات وإن علت، فهي رحمانية لفتوح وإشراقات أخرى رحيمية أخصّ وأدقّ، ولا يزال العبد يتقرب إلى الله عزَّ وجلّ بالفروض "والنوافل" حتى يحبه، فإذا كان الحب تجلَّت لله عزَّ وجل رحمانيات ورحيميات على عبده عالية رفيعة، وهذا من عجائب درجات الولاية الباقية في هذه الأمة، وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
اللهم علمنا ما جهلنا وانفعنا بما عملتنا.
د. فائز أحمد علي
السودان / الخرطوم
Aucune description de photo disponible.







تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة