قـراءة شـاعـرة
***********
هو برنامج غير نقدي لا يفتح النص إلا للوقوف على جمالياته والخروج عن نمطية الرد المقتضب و إعطاء المبدع شيئا من حقه
*****************
قراءة اليوم :-
لقصيد " جراح الشام "
لشاعرتنا الراقية الأستاذة
" أماني محمد المحمد "
**************
.....جــــــــــــراحُ الــــــشَّـــــام....
طَرفي تَجَوّلَ في البيوتِ الخَاوِيَةْ
فَـنظمتُ شِـعري مـن أنين القافيةْ
لـيلي تَـطاولَ واسْـتفاضَتْ عَبْرتي
جُــرحـي بَـلـيـغٌ والـلّـيالي دَامِـيـةْ
تَـعِـبَ الـكلامُ مـن الـكلامِ وَهـزّني
وطـــنٌ يــمـوتُ وأمـــةٌ مُـتـناسِيَةْ
يـــا ســاسـةً وبـلادهـمْ فــي ذلــةٍ
وعُـروشهمْ فـوقَ الـضّحايا جَاثيةْ
يَـتـثاءَبونَ عـلـى الـعُروش كـأنهمْ
أعـجازُ نَخلٍ في الصَّحارى خاويةْ
خـانـوا الـشـآم مٌـقـنّعينَ بِـذلِّهمْ
والـقـدسُ بِـيـعتْ بِـالـمزادِ عَـلانيةْ
بـغـدادُ تُـسـبى والـنّـخيلُ مُـضَـرّجٌ
ومـيـاهُ دِجـلةَ مـن دمـائي جـاريةْ
يَــمـنٌ سَـعـيـدٌ قــد أبـاحـوا قـتـلَهُ
وتـقـاسـموا دَمَـــهُ بــكـأسٍ آنــيـةْ
أحــفـادُ كِـسـرى بـعـثروا أوطـانَـنا
قـد أوقدوا في الجرحِ ناراً حَاميةْ
يـاأمـةً وُلِــدتْ عـلـى نــورِ الـهُـدى
فـإلامَ فـي كـهفِ الـتّشردِ غـافيةْ؟
أنـجـوعُ فــي وطــنٍ لـنـا خيراته
وتَـصـدُّنا عـنـهُ الـفـئاتُ الـبَـاغيةْ؟
فَاللهُ رحـــمـــانٌ يَـــمُــدُّ حــبــالَـهُ
فــي كُــلِّ مَـسْـغَبَةٍ قُـطـوفاً دانِـيَةْ
قـومـوا انْـهـضوا إنّــا كَـبَـونا كُـلّـنا
فــي قــاعِ بِـئـرٍ كـالـعروبةِ هَـاوِيةْ
أَنُــضَـامُ والــقـرآنُ بَــعْـثُ حَـيـاتِنَا
وَمُـحَـمّدٌ فـيـنا سِــراجُ الناصـية
أمــانــي مـحـمـد ..……… أم الـمـعـتصم
*********
مستعنين بالله نبدأ القراءة
القصيدة جاءت على البحر " الكامل "
و هو بحر ثلاثي التفعيلة مبني على ثلاث تفعيلات " متفاعلن متفاعلن متفاعلن " و البحر رحب جميل ؛ يحمل مرادات الشاعر حيثما يشاء
كما أن القافية تم اختيارها بكل توفيق و اقتدار
القصيدة جاءت في أربعة عشر بيتا لكنها ؛ روح تمور بالتفاعلات الداخلية لدى شاعرتنا
فهي عاشت حدثا زلزل كيانها فصورته بإجمال و براعة و اتقان
و كانت الصور والأخيلة و الظلال الموحية عمدتها في رسم و نقل مرارة ما تشعر به
و من لمثل هذا الواقع غير الشاعرة التي تعيش بشعورها و قلبها هذا الواقع كروح حية نابضة ؛
فالشاعر ربما يقلقه ما لا يراه غيره أو يستصغره غيره
ولذا فالشعر شعور قبل أن يكون عروضا و نحوا ولغة
و الشاعر أمين على هذا الشعور
أبدعت شاعرتنا في اختيار البحر فالبحر الثلاثي التفعيلة عالي الموج يحمل العاطفة الهادرة ٠
و أي شيء يهز روح شاعرتنا كجرح الوطن؟!
===========
جراحُ الشَّام
========
العنوان يحمل
روح القصيدة و يحفز القارئ لروح النص و التفاعل معه
=========
طَرفي تَجَوّلَ في البيوتِ الخَاوِيَةْ
فَـنظمتُ شِـعري مـن أنين القافيةْ
و تبدأ شاعرتنا بسياحة بصرية في تلك البيوت الخاوية و التي كانت عامرة تمور بالحركة والروح و الحب و الذكرايات
هذا الاستهلال الرائع أشبه بالوقوف على الأطلال لدى شعرائنا المتقدمين
ليست البيوت الخاوية هنا جدران باهتة لا تحمل روح
و لكنها فقدت روحها بفعل فاعل فقدت حركتها و الروح بها و التي كانت تمور حياة و حبا
تذكرني شاعرتنا هنا في وقفتها هذه بطرفها على البيوت الخاوية
بقول قيس بن الملوح:
أمر على الديار ديار ليلى
اقبل ذا الجدار و ذا الجدارا
وما حب ةلديار شغفن قلبي
و لكن حب من سكن الديارا
ولهذا الفقد و هذا الألم الملتاع أشعر بالمرارة بحلق شاعرتنا
و كي تكمل الشطر الثاني
فنظمت شعري من أنين القافية
إنها ليست وحدها المتفاعلة مع الحدث بل القافية أصبحت أنينا نكاد جميعا أن نسمع صوته المبحوح و هو يرثي تلك البيوت الخاوية
إنها الروح و الذكريات تتحرك حول تلك البيوت
فما عادت جدرانا جامدة أبدا
===========
لـيلي تَـطاولَ واسْـتفاضَتْ عَبْرتي
جُــرحـي بَـلـيـغٌ والـلّـيالي دَامِـيـةْ
ثم تشرع شاعرتنا في تبيان أثار هذه الهزة العنيفة التي غيرت كل شيء حولها
ليلي تطاول
و تطاول مفاعلة غريبة على طبيعة الليل
فالليل هو الليل من حيث الطول و القصر
و لكنه هنا تفاعل مع حالتها
و كأنها تذكرني بقول الشاعر:
إن الليالي للأنام مناهل
تطوى و تنشر دونها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة
و طوالهن مع السرور قصار
و استفاضت عبرتي
خرجت عن معتادها أمست فيوضا تتالى من العبرات
و كأنها استغربت هذه الفيوض من العبرات فيحتدم الصراع الداخلي صارخا لماذا؟!
فيأتي الجواب القاطع
جرح بليغ
و ليس هذا فحسب
بل و الليالي دامية
و الليالي التي من المفترض أن تكون للهدوء و الراحة و السكون
أمست ليال دامية فأنى لنا بالراحة و الهدوء
===========
تَـعِـبَ الـكلامُ مـن الـكلامِ وَهـزّني
وطـــنٌ يــمـوتُ وأمـــةٌ مُـتـناسِيَةْ
الله الله الله
لهذه الروعة
تعب الكلام من الكلام ٠
ماذا أشرح
و ماذا أضيف
و الكلام نفسه تعب من الكلام بكل ألوانه و أنواعه فلم يعد يجدي نفعا
و أي كلام مهما بلغت قوته ليجبر كسري في :
وطن يموت
و أمة متناسية
أنه الألم و المرارة التي يعجز الوصف عن الإحاطة بها
فماذا تبقى إن مات الوطن فكل شيء حينها في حداد
صورة اكثر من رائعة للتعبير عن حالة الشاعرة أمام وطنها
و لله در القائل في مثل هذا المقام :
"وطن أضيع و مهجة تحت التراب"
===========
يـــا ســاسـةً وبـلادهـمْ فــي ذلــةٍ
وعُـروشهمْ فـوقَ الـضّحايا جَاثيةْ
و يحتدم الصراع
فما عاد الصراع الداخلي و حوار النفس للنفس شافيا لما تعنيه
و هي ليست بالسلبية
فتصرخ في سبب البلاء و علة الداء
يا ساسة و بلادهم في ذلة
و جاءت الساسة منكرة
و لم تعرف إلا بقولها و بلادهم
فهم لا قيمة لهم بغير تلك البلاد التي أهانوها و حطوا من قدرها حتى أصبحت في ذلة
ثم تكمل الصورة المقيتة لهم
و عروشهم فوق الضحايا جاثية
و هو ظل ثقيل لما تعيشه الشعوب تحت هؤلاء الطواغيت
===========
يَـتـثاءَبونَ عـلـى الـعُروش كـأنهمْ
أعـجازُ نَخلٍ في الصَّحارى خاويةْ
و الصورة هنا أكثر إيلاما و على مرارتها فهي في مكانها تماما
فهؤلاء الكسالى الذين لا فائدة منهم و لا طائل وراءهم
فماهم إلا التثاؤب الكسول
وهم لاروح فيهم فليسوا إلا اعجاز نخل
و أين ؟ في الصحاري
وليتها جذوع بها حياة فيستفاد منها
بل هي جذوع خاوية
===========
خـانـوا الـشـآم مٌـقـنّعينَ بِـذلِّهمْ
والـقـدسُ بِـيـعتْ بِـالـمزادِ عَـلانيةْ
ثم تشرع بتفصيل ما أجملت في بيتها السابق
و لماذا هذه النقمة عليهم
"خانوا الشآم " وكفى بها فالخيانة كما وردت في الحديث الشريف بئست البطانة
و أصعب الضربات خنجر من صديق
فالمفترض أنهم حماة الديار
لكنهم خانوها
و بئس ما تقنعوا به " بذلهم "
ثم تعرج على القدس و هي ماهي مكانة في شريعتنا مسرى الحبيب صلى الله عليه وسلم و المذكورة بتعظيم الله جل جلاله بقوله "سبحان الذي أسرى"
هذه على عظمتها بيعت فعظمت ببيعها خيانتهم
ومن المصائب أنهم خلعوا الحياء فباعوها علانية
===========
بـغـدادُ تُـسـبى والـنّـخيلُ مُـضَـرّجٌ
ومـيـاهُ دِجـلةَ مـن دمـائي جـاريةْ
"بغداد تسبى"
و يجوز ان يكون إخبار و يجوز ان يكون استفهام استنكاري
"أتسبى بغداد" حاضنة الخلافة و منطلق الحضارة٠
و النخيل رمز العزة و الشموخ مضرج بدمائها
فحتى النخيل لم يسلم٠
"و مياه دجلة من دمائي جارية"
فدماء دجلة هي عين دمائي
ولا غرابة ان تجري مياه دجلة من دمائي
و نستشعر معها جميعا قول الشاعر :
و أينما ذكر اسم الله في بلد
عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
===========
يَــمـنٌ سَـعـيـدٌ قــد أبـاحـوا قـتـلَهُ
وتـقـاسـموا دَمَـــهُ بــكـأسٍ آنــيـةْ
"يمن سعيد" في إشارة استهجانية لم فعل باليمن
فأين السعادة التي كانت تطلق عليها من الواقع الأليم الذي تعيشه
قد أباحوا قتله
لو ربطنا البيت بما قبله تبين من أباح القتل
و لو قرأنا البيت منفصلا سيأتي السؤال من أباحوا
و كأنها اغفلتهم عن عمد استهانة بشأنهم
ثم ترسم صورتهم في مجلس اللهو و الشراب و المجون
"و تقاسموا دمه بكأس آنية"
===========
أحــفـادُ كِـسـرى بـعـثروا أوطـانَـنا
قـد أوقدوا في الجرحِ ناراً حَاميةْ
و هنا إشارة للدور المشاهد و الذي لا يخفى على ذي عينين لدور ايران في المنطقة
و الكلمات تنطلق كالرصاص
بعثروا
أوقدوا
الجرح
نارا حامية
كلها كلمات ترسم الصورة و توحي بالظلال الكثيفة لكل ما يحدث
و لكن اين من يرى ؟!!!!!
===========
يـاأمـةً وُلِــدتْ عـلـى نــورِ الـهُـدى
فـإلامَ فـي كـهفِ الـتّشردِ غـافيةْ؟
و هنا نداء التحسر و التقريع على سوء المآل
و استنهاض للهمم الغافية
كيف بمن ولد على نور الهدى
أن يرتضي الغفو و النوم و أين ؟!
في كهف وكانه لم ير نورا و ما عرف حضارة
و أي كهف
إنه كهف التشرد
===========
أنـجـوعُ فــي وطــنٍ لـنـا خيراته
وتَـصـدُّنا عـنـهُ الـفـئاتُ الـبَـاغيةْ؟
و هنا الاستفهام الاستنكاري الذي يصف بشاعة الحال
فالوطن بخيراته لنا
و لكننا نجوع بصد الفئات الباغية التي تستبيح حقوقنا
===========
فَاللهُ رحـــمـــانٌ يَـــمُــدُّ حــبــالَـهُ
فــي كُــلِّ مَـسْـغَبَةٍ قُـطـوفاً دانِـيَةْ
ثم
لم يعد إلا اللجوء إلى الرحمن سبحانه
الذي يمد حبال وصله لمن عرفه و اتقاه
و يجعل له القطوف الدانية بكل جوع و مسغبة
فسبحانه لا يضيع عباده
و لكن اللجوء هنا لجوء العاجز عن استنهاض الهمم الخائرة و العزائم البائرة
===========
قـومـوا انْـهـضوا إنّــا كَـبَـونا كُـلّـنا
فــي قــاعِ بِـئـرٍ كـالـعروبةِ هَـاوِيةْ
فلا تستسيغ شاعرتنا لجوء العاجز
و لا تستسلم لليأس من استنهاض الهمم و إلهاب جذوتها الخامدة
فتنادي الجميع للنهوض بعدما كبوا جميعا في قاع بئر
ثم تشير لحال العروبة فهي أيضا في هاوية
===========
أَنُــضَـامُ والــقـرآنُ بَــعْـثُ حَـيـاتِنَا
وَمُـحَـمّدٌ فـيـنا سِــراجُ الناصـية
ثم تعلي الهمم مستنكرة هذا الرضوخ للضيم و فينا القرآن و السنة
و هما البعث الحقيقي للحياة
لا البعث المزيف الذي تاجر بالأكاذيب و جنى على الأمة هو و غيره من الشعارات الجوفاء
و التي ألقت بنا جميعا في هوتنا السحيقة التي لا مخرج منها الا بالعودة إلى النبع الصافي من القرآن و السنة
===========
القصيدة مفعمة بالعاطفة الصادقة الصارخة في كل التفاتة و كل همسة و لفظة وقد تم توظيفها بشكل جيد
بعيدا عن التهويم و الغموض و أقرب للوضوح فالمقام هنا لا يحتمل الفلسفة الزائدة
بل البساطة التي أغنته كل الغناء
فهو بين الشكوى و الشجن الصادق فلا يليق به إلا الصدق و الوضوح في المكاشفة
و اعتمدت شاعرتنا التنامي الدرامي لقصتها منذ ابتداء القصيدة لاختتامها
و قد أخذنا هذا التنامي الدرامي بين تلك اللوحات التي أخذتنا لأتيليه فاخر و معرض ذاخر من الصور و اللوحات
و التي تمثل كل منها مشهدا آسرا و تمثل في مجموعها
لوحة كلية لمأساة شاعرتنا التي ابدعت في رسمها بكل رشاقة و بكل الظلال الموحية
و اختيار تفعيلات الكامل الهادرة الموسيقى لتصاحب هذا المعرض من اللوحات
كان اختيارا موفقا فهي تؤنس المار في ردهات المعرض و لا تشغله عن لوحاته و ظلاله
بل تدفعه للتفاعل معها٠
وللحق أي قراءة قد تظلم القصيدة أو تظلم القارئ لها
لأن شاعرتنا رسمت الزخم الشعوري في لوحات فائقة الجمال فما تركت مجالا لغيرها فقد أجادت في وصف المشاعر في النص
وقد كثفت الكلمات بالنص
بلغة أغنته عن كل شرح وتحليل
فإن كان من توفيق فمن الله
و إن كان من تقصير فلا أعدو بشريتي.
فلتعذرني الشاعرة والقارئ
وإلى لقاء في الاسبوع القادم و قصيدة قادمة
في
برنامجكم
قراءة شاعرة
محبكم : عارف عاصي
تليل و شرح في المستوى يليق بالقصيدة ..ابدعت استاذ .. وتالقت شاعرتنا بتحليلك هذا القيم .. وتالقت القصيدة .اطيب المنى ..وافر تحياتي
ردحذف